مدفع الإفطار في العالم الإسلامي ثم في .غـ.ـز.ة العزة..
مدفع رمضان… ذلك الصوت المدوي الذي ينطلق في السماء ثلاث مرات من كل يوم من شهر رمضان الكريم، وقد شكل هذا المدفع الرمضاني جزاء من التراث المصري خاصة. والثقافة العربية عامة، والتي تحرص على التمسك بطقوسها وعاداتها و تقاليدها القديمة..
لكن ماهي حكاية هذا المدفع الذي مازال جزءا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية لدى العالم الإسلامي؟
أولا؛ حكاية المدفع في مصر:
كما وصلنا تواترا، أن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المسلمون يأكلون ويشربون من الغروب حتى وقت النوم، وعندما شرع الإسلام الآذان اشتهر بلال وابن أم كلثوم بأدائه، ومع امتداد الرقعة المكانية وانتشار الاسلام بدأ المسلمون بالتفكير في إيجاد أدوات ووسائل أخرى إلى جانب الآذان للإشارة إلى موعد الإفطار إلى أن ظهر هذا المدفع إلى الوجود..
يروى أن في سنة 865 هجرية أراد احد سلاطين المماليك وهو خوشقدم حاكم مصر وقتها، تجريب مدفعا جديدا وصل إليه من صاحب مصنع ألماني، وقد صادف موعد تجريب المدفع وقت آذان المغرب بالضبط، فاعتقد أهل القاهرة أن السلطان تعمد إطلاق القذيفة من المدفع لتنبيه جميع المسلمين بموعد الإفطار، فخرج الناس إلى مقر السلطان لتشكره على هذه البدعة الحسنة، فاندهش السلطان.. لكن الفكرة أعجبته ثم قرر المضي في إطلاق القذيفة كل يوم إيذانا بوقت الإفطار، بل زاد مدفعا آخر للإمساك
وإنه، في رواية أخرى قيل أن بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل كانوا يقومون بتنظيف أحد المدافع فانطلقت منه القذيفة دوت سماء القاهرة، وصادف ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدا جديدا للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك، إلى أن وصل الخبر إلى فاطمة بنت الملك إسماعيل الخديوي، بما حدث، فأصدرت قرارا يأمر باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك، وفي المناسبات و الأعياد الرسمية.
و يشير بعض الباحثون إلى أن هذا المدفع قد توقف عن إطلاق هذه القذيفة التي تعلن موعد الإفطار في عهد خوشقدم، فذهب بعض الأحيان والفقهاء لمقابلة السلطان والطلب منه أن يستمر عمل المدفع لكن لم يجدوه، فالتقوا بالحاجة فاطمة بنت الخديوي وزوجة السلطان المملوكي خوشقدم، فنقلت الخبر إلى السلطان فوافق على ذلك، ومن هنا ارتبط اسم هذا المدفع الرمضاني باسم الحاجة فاطمة واستمرت ذلك إلى الآن.
ثانيا: حكاية المدفع في مدينة غزة العزة
منذ أواخر القرن الـ19، انتقلت فكرة “مدفع رمضان” من مصر إلى بلاد الشام، وطُبقت في عدة مدنٍ فلسطينيّة أبرزها القدس وغزّة ويافا ونابلس وعكا وطولكرم وجنين، و إلى كافة أقطار الخليج و اليمن و كذلك السودان وحتى دول غرب أفريقيا وشرق آسيا.
نعم، وفي غزة أيضا طُبِّقَت فكرة مدفع رمضان..
يقول الدكتور نهاد المغني:” أن أصل المدفع الرمضاني الموجود في مقر بلدية غزة يعود إلى القرن التاسع عشر، وتم استخدامه في فترة الدولة العثمانية بإطلاق قذيفة للإعلان عن موعد الإفطار والإمساك وحتى موسم الأعياد”.
غزة تلك البلدة الكنعانية العربية، غزة البوابة الفلسطينية. التي جاءت وليدة قرون طويلة وعصور متلاحقة وتاريخ خالد حفظته ووعته الأجيال المتلاحقة.
غزة المدينة العظيمة، التي ارتبط تاريخها كذلك بمدفع رمضان، المدفع الذي كان يدخل الفرح والسرور على أهالي غزة والذي مضت معه أيام العز والفخر، عند استخدامه في رمضان والأعياد والمناسبات إلى أن جاء الاحتلال الصهيوني الغاصب فأوقف العمل به.
يقول الصحفي الفلسطيني هاني أبو رزق: أن أغلب مدافع رمضان توقفت عن العمل بسبب الانتهاكات والمضايقات الإسرائيلية التي يقوم بها الاحتلال ثم أصبح هذا المدفع الذي كان مصدر الفرح والسرور في قلوب أهالي غزة مصدر خوف ورعب ودمار، والذي حرم أهالي غزة من التلذذ بالطاعات في هذا الشهر المبارك، والذي شهد فيه أهل غزة كذلك الحزن والموت والدم و أصوات الانفجارات والقصف والجوع.
إلا أن أهل غزة، أهل الصبر والصمود كما عرفوا ويعرفون، أهل الصبر والصمود حتى النصر، غزة المدينة التي شاءت لها أقدارها وبحكم موقعها الجغرافي أن تعاني
من الغزوات والهجمات منذ القديم، والتي كانت تتصدى لها، وتصمد في وجهها، وتترك حكايات عنها للزمن والأيام..
هذا.. وتعتبر قصة مدفع رمضان من الحكايات التي تحمل في طياتها معاني جميلة ارتبطت بالشهر الكريم وصارت من الطقوس والتقاليد الرمضانية التي يهتم بها المصريون خاصة والمجتمع العربي عامة، لأنها تدخل في نفوسهم الفرحة والمسرات خلال شهر رمضان، وتساهم هذه الطقوس كذلك في إحياء روحانيات هذا الشهر الفضيل وتعزيز أواصر الترابط بين الأفراد والمجتمعات.

