السعادة بين تصور الفلسفة وبصيرة القرآن

السعادة بين تصور الفلسفة وبصيرة القرآن
ياسين شرافي

 

تُعد السعادة من أهم الأمور التي يبحث عنها الإنسان في حياته، فهو يسعى إلى أن يعيش في راحة وطمأنينة، وأن يجد لحياته معنى وهدفًا.

لكن الناس لا يفهمون السعادة بالطريقة نفسها؛ فبعضهم يربطها بالمال والبنين أو المنصب أو كثرة المتع، بينما يرى آخرون أنها حالة أعمق ترتبط بطمأنينة النفس والشعور بالرضا.

ومن هنا يمكن طرح السؤال الآتي: كيف تصورت الفلسفة السعادة في شخص معلمها الأول أرسطو؟ وكيف نظر القرآن الكريم إليها؟ وما أوجه الاتفاق والاختلاف بين الرؤيتين؟

أولًا: السعادة عند أرسطو:

يرى الفيلسوف اليوناني أرسطو أن السعادة غاية أساسية يسعى إليها الإنسان في حياته هي السعادة، هكذا كان يرى الفيلسوف اليوناني أرسطو. كما استخدم مفهوم الازدهار الإنساني للدلالة عليها.

ولا يقصد أرسطو بالسعادة مجرد الشعور بالفرح أو المتعة، بل يقصد أن يعيش الإنسان حياة جيدة ومتكاملة، وأن يستعمل قدراته بطريقة صحيحة.

وبحسب أرسطو، تتحقق السعادة من خلال الفضيلة، أي أن يتحلى الإنسان بصفات أخلاقية جيدة ويمارسها في حياته. فالشجاعة، مثلًا، تقع بين الجبن والتهور؛ ولذلك فإن الإنسان السعيد هو الذي يتصرف باعتدال، ويتجنب الإفراط والتفريط.

كما يعطي أرسطو أهمية للعقل والتفكير والتأمل، ويرى أن استعمال العقل بطريقة جيدة يمثل جانبًا مهمًا من الحياة السعيدة.

ومع ذلك، لم يعتبر أرسطو الفضيلة وحدها كافية في جميع الحالات، بل رأى أن بعض الظروف الخارجية، مثل الصحة والأصدقاء والاستقرار وبعض الموارد المادية، تساعد الإنسان على تحقيق ازدهاره.

إذن، يمكن القول إن السعادة عند أرسطو هي حياة تقوم على الفضيلة والعقل والاعتدال، مع توفر بعض البهارات التي تساعد الإنسان على العيش بشكل جيد.

ثانيًا: السعادة في القرآن:

وأما القرآن الكريم، فقد نظر إلى السعادة باعتبارها حالة من الطمأنينة والرضا وراحة القلب، ولم يجعلها مرتبطة فقط بكثرة المال أو امتلاك الأشياء. فالإنسان قد يملك الكثير من المال، ومع ذلك لا يشعر بالسعادة، وقد يعيش في ظروف بسيطة لكنه يشعر بالراحة والرضا.

وهذه الطمأنينة ربطها القرآن بالإيمان وذكر الله، يقول تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

ويربط القرآن بين الإيمان والعمل الصالح والحياة الطيبة، يقول تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.

وبذلك، فالسعادة في عين القرآن، لا تعني غياب المشكلات أو الألم من حياة الإنسان، وإنما تعني أن يمتلك الإنسان إيمانًا يمنحه الصبر الجميل والأمل والرضا، ويساعده على مواجهة صعوبات الحياة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالسعادة في القرآن لا تتوقف عند الحياة الدنيا، بل تمتد إلى الآخرة، حيث يكون الفوز الحقيقي بالنجاة ودخول الجنة.

 لذلك يمكن القول إن السعادة في المنظور القرآني تقوم على الإيمان، وذكر الله، والعمل الصالح، والصبر، والرضا، وغايتها تحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة.

ثالثًا: الموازنة بين الرؤيتين:

عند مقارنة التصور القرآني بتصور أرسطو، نجد بعض أوجه الاتفاق وبعض أوجه الاختلاف.

فمن باب الاتفاق، أن السعادة لا تختصر في المال أو اللذة أو المكانة الاجتماعية.

 فأرسطو لا يعتبر الثروة غاية في حد ذاتها، بل وسيلة من وسائل الحياة الجيدة.

والقرآن كذلك يبين أن متاع الدنيا مؤقت، يقول تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.

كما يلتقي التصوران في ربط السعادة بطريقة حياة الإنسان وسلوكه؛ فالسعادة عند أرسطو ترتبط بممارسة الفضيلة، بينما ترتبط في القرآن بالإيمان والعمل الصالح.

لكن من باب الاختلاف الأساسي بينهما فهو يتعلق بالمرجعية والغاية. فحين ينطلق أرسطو من العقل والتفكير الفلسفي في تحديد معنى السعادة، ينطلق القرآن من الوحي الإلهي العزيز.

ومن حيث الغاية النهائية للسعادة في التصورين. فأرسطو يهتم أساسًا بكيفية تحقيق الإنسان حياة جيدة ومزدهرة، مع تركيزه على الحياة الإنسانية وممارسة الفضيلة. أما القرآن، فينظر إلى حياة الإنسان باعتبارها تمتد من الدنيا إلى الآخرة، ولذلك لا تكتمل السعادة في المنظور القرآني إلا بالفلاح والنجاة في الآخرة.

كما ويختلف التصوران أيضًا في التعامل مع الألم والصعوبات. فأرسطو يرى أن بعض الظروف الصعبة، مثل المرض والفقر وفقدان بعض الضروريات، يمكن أن تجعل تحقيق السعادة أكثر صعوبة. أما القرآن فلا يعتبر الابتلاء دليلًا على غياب السعادة أو رضا الله عن الإنسان، بل يوجه الإنسان إلى مواجهته بالصبر والإيمان والأمل، وقد يكون الابتلاء سببًا في الأجر ورفعة الإنسان إذا صبر واحتسب.

ومن هنا يتضح أن أرسطو يركز على كيفية عيش حياة فاضلة ومزدهرة، بينما يقدم القرآن تصورًا أوسع يربط سعادة الإنسان بحياته في الدنيا ومصيره في الآخرة.

هذا، ونحن نبحث على مفهوم السعادة العميق، قد نخلص إلى ما خلص إليه أحد الشعراء في قوله:

وبحثتُ عن سرّ السعادة جاهداً *** فوجدتُ هذا السرّ في تقواك

ونخلص أيضا إلى الحكمة المنسوبة إلى الفيلسوف فريدريك نيتشه: «السعادة التي تأتي مع غيرك، ستذهب مع غيرك».

إذن، لنطلب السعادة في  تقوى الله ولا نجعلها رهينةً بشخص أو بظرف أو بشيء خارجي..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *