خمسةُ أعوامٍ في صندوقٍ صغير
في هذه الأيام،
تغسلُ الوعودُ وجوهَها،
وتضعُ عطرًا على إبطيها،
وتعلّقُ ابتساماتِها الملساءَ
على الجدرانِ الآيلةِ للسقوط،
وتمنحُ الموتى حقَّ الاقتراع.
الميتُ هو الملازمُ الوحيدُ
الذي لا يشتكي من طابورِ الانتظار.
في السوق،
رجلٌ يبيعُ صوتَه،
ويشتري بنصفِ الثمنِ رغيفًا،
فيبقى النصفُ الآخر
معلّقًا في الهواء
كرئةٍ لا تجدُ صدرًا.
بائعُ البطيخِ يصرخ:
حلو… حلو…
وحين تسألُه امرأةٌ عن الطعم،
يُقسمُ بقطعِ لسانِه
أنه لم يذقْ شيئًا
منذ خمسةِ أعوام.
وفي العتمة،
قدورٌ غاضبةٌ
يطفو عليها لحمُ السكوت؛
فمٌ يفتحُ فمًا،
فيدخلُ الهواءُ
ويخرجُ تصفيق.
امرأةٌ تفتحُ فمَها
ليخرجَ منه رغيفٌ،
فيدخلُ رجلٌ آخر.
تُغلقُ فمَها.
تنتظرُ خمسةَ أعوامٍ أخرى.
الميكروفونُ
كائنٌ معدنيٌّ جائع،
يلتقطُ الحساباتِ
من أفواهِ الشيوخ،
ويقيءُ الذهبَ الزائفَ
في سلالِ الفقراء.
وكم مرّةً
صافحتُ يدًا في الطابور،
ثم أعدتُ يدي إلى جيبي…
فلم أجدْ جيبي.
جدّي
الذي مات منذ دهر،
عادَ هذا الصباحَ
حاملًا إبهامَهُ الأزرق.
قال لي ببرود:
لا تقلق…
الموتى أيضًا يحتاجونَ
إلى تعبيدِ الطرقات.
وأمي
ما زالت تخبّئُ رغيفَها
تحتَ وسادتها.
تقول:
سيشهدُ على الانتخاباتِ القادمة.
أقول:
يا أمي… لقد تحجّر!
فتبتسمُ وتجيب:
الرغيفُ في هذا البلد
لا يتحجّر…
إنه يتدرّبُ على الصبر.
ثم يُفتحُ الصندوق.
رَحِمٌ صلبٌ
بطلاءٍ شفاف؛
تُسقطُ فيه الأوراقُ
أنفاسَها الأخيرة…
ثم يَتَحَرّك.
يَتَقَلّص.
يَلِد.
فتخرجُ منهُ
مقاعدُ تأكلُ السقوف،
وحصانةٌ تُعلّمُ الذئبَ
كيف يرفعُ يديه
في حقلِ الحمام.
الحمامُ يصلّي خلفَه.
الذئبُ يؤمّ.
والحقلُ…
يصفّق.
وبعد إعلانِ النتائج،
لا يصرخُ أحد.
نسمعُ فقط
صوتَ شيءٍ رخوٍ
يُدسُّ في أكياسِ الطحين.
تنامُ اللافتاتُ تحتَ المطر،
والابتساماتُ تجفُّ على الجصّ.
ثم…
صوتُ مسمارٍ يُدقّ.
ثم مسمار.
ثم مسمار.
الصندوق.
يُفتح.
من جديد.
وفيه ورقةٌ واحدةٌ تقول:
شكرًا لثقتِكم…
صوّتُوا للميتِ القادم.
فنصوّتُ…
ونعدُّ أصابعَنا،
فلا نجدُ أيدينا!
والان…

