انتخابات المغرب 2026 بادية تصنع الأغلبية ومدن تصنع الاحتجاج
شكّلت الانتخابات التشريعية المغربية محطة مفصلية في المسار السياسي الوطني، بعدما أفرزت خريطة حزبية جديدة، وعكست تحولات عميقة في السلوك الانتخابي للمواطنين. جرى الاستحقاق في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية بارزة، وتنافست فيه 28 حزبا سياسيا على 395 مقعدا بمجلس النواب، موزعة بين 305 مقاعد في الدوائر المحلية و90 مقعدا مخصصة حصريا للنساء عبر الدوائر الجهوية الاثنتي عشرة.
مشاركة متدنية.. والأرقام تثير القلق:
أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة النهائية بلغت 38.08% على الصعيد الوطني، وهي الأدنى في الاستحقاقات التشريعية التي أعقبت دستور 2011، مقابل 50.35% سنة 2021.
وخلال يوم الاقتراع، لم تتجاوز نسبة الإقبال 4.23% إلى حدود الساعة العاشرة صباحا، قبل أن ترتفع تدريجيا إلى 28.05% قبيل ساعة من إغلاق مراكز التصويت. وسجّلت الأقاليم الجنوبية معدلات إقبال أعلى من المعدل الوطني، ما يعكس تباينا جهويا واضحا في السلوك الانتخابي
هيئة ناخبة حضرية.. ونساء بنسبة 46%
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15,801,162 ناخبا وناخبة، بينهم 54% رجال و46% نساء. ويتوزع المسجلون بين 55% في الوسط الحضري و45% في الوسط القروي.
وتكشف المعطيات أن المشاركة في العالم القروي كانت أعلى نسبيا مقارنة بالمدن الكبرى، كما أن فئة كبار السن، 60 سنة وأكثر، شكلت 29% من المسجلين، مقابل 4% فقط للشباب بين 18 و24 سنة.
النتائج الرسمية: “البام” في الصدارة و”البيجيدي” يقفز أسفرت النتائج عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا.
وجاءت باقي النتائج على الشكل التالي:
- الحركة الشعبية: 29 مقعدا
- الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 26 مقعدا
- التقدم والاشتراكية: 19 مقعدا
- الاتحاد الدستوري: 17 مقعدا
- الحركة الديمقراطية الاجتماعية: 8 مقاعد
- تحالف اليسار: 8 مقاعد
- جبهة القوى الديمقراطية: مقعدان
- حزب الإنصاف: مقعدان
- حزب الديمقراطيين الجدد: مقعد واحد
- حزب الوحدة والديمقراطية: مقعد واحد
جغرافيا المقاعد: القرى تحسم.. والمدن تحتج:
تكشف المعطيات التفصيلية عن تباين لافت في القاعدة الجغرافية لكل حزب. فحزب الأصالة والمعاصرة حصل على 63 مقعدا في الدوائر القروية والبادية مقابل 34 مقعدا في المدن، أي أن 65% من مقاعده جاءت من المجال القروي.
التجمع الوطني للأحرار حصد 40 مقعدا قرويا و26 مقعدا حضريا، فيما وزّع حزب الاستقلال مقاعده بين 36 قرويا و29 حضريا. أما حزب العدالة والتنمية، فقد حصل على 43 مقعدا في الدوائر الحضرية مقابل 11 فقط في القروية، ما يعني أن نحو 80% من قاعدته انتخابية حضرية.
وهكذا، فإن 139 مقعدا من أصل 228 مقعدا حصدتها الأحزاب الثلاثة الأولى، “البام” والأحرار والاستقلال، جاءت من الدوائر القروية، ما يبرز الوزن الحاسم للبادية في تحديد موازين التنافس
الانتخابي.
المرأة: تمثيل تحت وطأة الكوتا:
خصص المشرع المغربي 90 مقعدا من أصل 395 حصريا للنساء عبر الدوائر الجهوية، فيما ترشحت نساء أخريات في الدوائر المحلية. وبلغ عدد الترشيحات النسائية 2,658 من أصل 7,288 ترشيحا، أي 36.47% من المجموع.
وسيطرت النساء بشكل شبه كامل على المقاعد الـ90 المخصصة للوائح الجهوية، في حين ظل حضورهن محدودا في الدوائر المحلية المباشرة. ويعكس هذا التفاوت استمرار الحواجز الحزبية والاجتماعية أمام ترشح النساء في الدوائر المحلية، حيث تفضل الأحزاب ترشيح الرجال، وتكتفي بوضع النساء في اللوائح الجهوية.
خمسة دروس سياسية كبرى:
أولا: المفارقة القروية
الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية السابقة حصدت 139 مقعدا من الدوائر القروية، ما يعني أن الرابط القروي هو من يصنع الأغلبية البرلمانية، في حين أن المدن هي من تصنع المعارضة.
ثانيا: أزمة الثقة الحضرية:
تراجع المشاركة إلى 38.08% لم يكن متساويا، إذ كانت الخسارة الكبرى في المدن الكبرى، حيث يعبر الناخب الحضري عن احتجاجه وابتعاده عن المؤسسات.
ثالثا: فشل التصويت العقابي في اختراق القرى:
رغم الغضب الشعبي الواسع، لم ينجح هذا الغضب في تغيير الخريطة القروية، ما يؤكد أن آليات الوساطة المحلية ما زالت قادرة على احتواء الاحتجاج.
رابعا: عودة الإسلاميين كقوة حضرية:
العدالة والتنمية لم يعد حزبا وطنيا بامتداد قروي، بل تحول إلى حزب مدن، بعد قفزته من 13 إلى 54 مقعدا.
خامسا: المرأة وتمثيل “مُتخَفِّف”.
رغم أن النساء يشكلن 46% من الهيئة الناخبة، فإن وصولهن إلى البرلمان يظل معتمدا بشكل شبه كلي على الكوطا الجهوية.
مقارنة مع 2021.. تحولات بنيوية:
تراجعت نسبة المشاركة من 50.35% سنة 2021 إلى 38.08% سنة 2026، بفارق 12.27 نقطة. كما انخفض عدد المسجلين من 17,509,316 إلى 15,801,162، وعدد المصوّتين من 8,789,676 إلى نحو 6 ملايين، أي فقدان حوالي 2.8 مليون مصوّت.
وعلى مستوى المقاعد، تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعدا، وفقد حزب الاستقلال 16 مقعدا، بينما صعد الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعدا، وقفز العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعدا. كما تراجع الاتحاد الاشتراكي من 34 إلى 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا، في مقابل صعود تحالف اليسار بـ8 مقاعد.
خاتمة: مغرب انتخابي مزدوج:
تُظهر النتائج النهائية أن المغرب يعيش مغربا انتخابيا مزدوجا: مغرب قروي تحكمه آليات الوساطة والنفوذ، ومغرب حضري يغليه الاحتجاج والعزوف. الأحزاب الكبرى هي أحزاب البادية، بينما المعارضة الحقيقية تنبع من المدن.
هذا الانفصام بين جغرافية التمثيل وجغرافية الاحتجاج هو التحدي الأكبر الذي سيواجه البرلمان والحكومة المقبلة، في ظل استمرار الوزن الحاسم للعالم القروي، وتباين واضح في التمثيلية النسائية بين المقاعد الجهوية والمقاعد المحلية.

