سياسة المغرب في “المغرب العميق“

سياسة المغرب في “المغرب العميق“

محمد بونوار :كاتب مغربي مقيم بألمانيا

 

على اٍثر حادثة سير التي راح ضحيتها 24 مواطن نواحي منطقة دمنات التابعة لاقليم أزيلال الذي يقع وسط المغرب، يبقى الاستنباط الأول هو أن سياسة المغرب تبقى غير منصفة بين الجهات، حيث أن اٍقليم أزيلال يعتبر من أفقر الاقاليم في المغرب ، بالدليل والحجة.

فجميع الطرقات التي تربط بين الجماعات والدواوير بالجهة، ورغم أنها تمر عبر مناطق جبلية تتخللها منعطفات ومنعرجات خطيرة، فهي تعاني من نقص على مستوى السلامة الطرقية بشكل كبير، كعلامات التشوير، والحواجز الأمنية اللازمة ، علاوة على هشاشة الطرقات وضيقها..

وعلى ذكر الحواجز، فحتى الممرات المائية الاصطناعية لا تتوفر على الحواجز الأمنية، وهو الأمر الذي يجعل كثير من السيارات والدراجات النارية تسقط بسهولة في الوديان، أو في المنعرجات والتي بحكم الطبيعة الجبلية يستحيل على المصابين أن يخرجوا منها سالمين.

علاوة على ذلك، الأطفال الذين يموتون في هذه الأودية كل سنة عندما يلجؤون الى الاستجمام بالسباحة، وذلك لقلة البدائل في مرافق الترفيه والتسلية.

منطقة أزيلال بها مدينة واحدة تسمى – أزيلال –  والباقي عبارة عن تجمعات سكنية يمكن تصنيفها في مصف الجماعات القروية ، أو التجمعات السكنية ،أو الجماعات الناشئة.

الاقتصاد الذي يعول عليه في هذا الإقليم، هو الفلاحة وتربية المواشي والماعز والابقار، ويبقى زيت الزيتون هو الرصيد المعيشي الأول الذي ينعش الاقتصاد المحلي ، وفي حالة الجفاف تنهار القوة الشرائية لسكان هذه المنطقة بشكل رهيب.

عادة المناطق الجبلية الوعرة تحضى برعاية الدولة لأن المداخيل لا ترقى إلى المستوى الذي يخول للساكنة مسايرة متطلبات الحياة العامة.

وعلى ذكر الحياة العامة، فالآباء في هذه المنطقة يجاهدون ويكافحون ويضحون بالرخيص والغالي لتسجيل أبنائهم في المدارس رغم قلة المداخيل، ورغم قلة النقل المدرسي والعمومي ، لكنهم في الاخير يستسلمون للأمر الواقع  حيث يضطرون الى توقيف أبنائهم عن الدراسة بمجرد الحصول على الشهادة الابتدائية ، وذالك بسبب الاعداديات التي تكون بعيدة عن مقر السكن ، وهذا هو السبب الحقيقي الذي  يدفع الآباء الى تزويج بناتهن في سن مبكرة ، ونظرا  لقلة الوعي وتفشي الفقر ، يزوجون بناتهن بدون عقود وبدون تفكير في العواقب ، و قليل منهن من ينجحن في تكوين أسرة ، لأن غالبيتهن تعود بعد حين إلى منزل الوالدين .

نرجع إلى مشكلة الجهة والتي تفوض الدولة أمرها إلى الجهات المنتخبة، وهنا لابد من تنوير الجميع، أن بعض رؤساء الجماعات يعرقلون التنمية من خلال تسطير مشاريع وهمية فوق الاوراق وليس فوق أرض الواقع ، و نسجل فساد بعض رؤساء  الجماعات  ثبث في حقهم اختلاس أموال الجماعة ، لكن لم يمسسهم ضرر ولا مسائلة. والغريب في الامر، أن هذا الاشكال يتكرر عقب كل انتخاب ، وأمام مرئى السلطات.

منطقة أزيلال ونواحيها تحتاج الى حواجز الأمان في الطرقات، و إلى مراجعة شاملة للشبكة الطرقية لتمكين السكان من الوصول إلى الأسواق الاسبوعية بحكم أنها المكان الوحيد لاقنتاء حاجياتهم ومؤنهم، وتحتاج الجماعات أيضا إلى مراقبة مستمرة ضد كل من يقف في مسار التنمية ، كترصيف الطرقات واٍنارتها ، وتوفير الصرف الصحي ، و الكهرباء والماء الصالح للشرب ، ومسابح للاطفال ونوادي للفتيات ، وملاعب للشباب ، ودور الثقافة ، ودور الولادة ، ودور الاساعافات الاولية ، لأن المنطقة تعج بالافاعي والعقارب.

سكان هذه المنطقة ، ناس يتمتعون بطيبوبة متميزة ، أوفياء لأرضهم ووطنهم ، حيث فئة كبيرة من شبابهم ينخرطون في الجيش ، وهناك منهم من يرابط في الخطوط الامامية للجيش المتواجد في الصحراء المغربية، وعلى ذكر الصحراء المغربية والتي استرجعها المغرب من الاستعمار الاسباني سنة 1975 ، فالتنمية التي عرفتها الجهات الجنوبية  تضاهي كبريات المدن المغربية في كل شيئ ، ولا يمكن بأي حال من الاحوال التفكير في مقاربة تنموية بينها وبين جهة أزيلال.

يتسائل كثير من المغاربة عن سر تقدم جهات كثيرة في المغرب، وعن تخلف جهات أخرى ، لكن هنا لابد من الاشارة أن جميع المدن التي تلامس البحر تعرف تقدما ملحوضا مقارنة مع المدن الداخلية نسبيا، وهذه القاعدة تعتبر ظاهرة  اقتصادية عالمية وهو ما يسمى بالتباين الاقتصادي في علم الاقتصاد، لكن منطقة أزيلال ونواحيها تبقى بعيدة كل البعد عن ما وصلت اليه جهات أخرى في المغرب ، ومن هنا يتفق الجميع على تسمية هذه المنطقة بالمغرب العميق ، أو المغرب المنسي.

أتمنى أن تتحرك الجهات المسؤولة بجدية كبيرة لتقديم ما يمكن تقديمه للمناطق الجبلية، حتى يتم تدارك ما ضاع لعقود عدة، من خلال برامج تنموية بشكل مباشر وبدون تفويضات والاعتماد على التدبير المحكم عوض التقدير المرغم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *