المال ظل غيمة وسؤال فلسفي أيضا.. (الجزء الثاني)

المال ظل غيمة وسؤال فلسفي أيضا.. (الجزء الثاني)
أحمد المعطاوي

ثالثا: مسألة الادخار

يعبر الادخار عن الحكمة والتخطيط للمستقبل، حيث يتمثل في ترك جزء من الدخل جانباً للاستفادة منه في وقت لاحق. فهو يعكس القدرة على التحكم في الإنفاق والتفكير بعيد المدى.

والادخار يتيح للإنسان القدرة على التصرف في أمواله بشكل يزيد من سعادته وسعادة الآخرين. إذ كان الادخار يؤدي إلى تأمين مستقبل مريح، أو إلى القدرة على مساعدة الآخرين في المستقبل، وبالتالي فهو فضيلة نافعة.

بالإضافة إلى أن الادخار كوسيلة لتحقيق الاستقرار والهدوء النفسي بعيدًا عن الاندفاع المفرط نحو الاستهلاك، يقول سينيكا: “الرجل الحكيم لا يعول على الأمل ولا يخاف من الخوف”.

ولأن الادخار وسيلة أيضا، لتحقيق الاستقرار المالي والأمان الاجتماعي والقدرة على أداء الواجبات الدينية، مع الحفاظ على الاعتدال والوسطية في الإنفاق.

إذ يقول الله تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا”

(سورة الفرقان، الآية 67). هذه الآية تدل على أن الادخار يتماشى مع الوسطية في الإنفاق.

ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشجع على التوازن في الإنفاق والادخار، وكان يقول: “اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم”. أي: اعتادوا على حياة بسيطة ومتزنة لأن النعم قد تزول في أي وقت.

لكن الادخار المفرط يمكن أن يضر بالاقتصاد العام، بحسب الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، لأنه يقلل من الإنفاق العام، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ركود اقتصادي.

وعموما، فكل الأفكار المهمة والمهتمة بمجال المال وادخاره تتفق على أن الادخار ليس هدفًا بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق أهداف أسمى، سواء كانت الفضيلة، الاستقلالية، أو السعادة الجماعية. يجب أن يكون الادخار متوازنًا، يعكس الحكمة والتعقل، ويخدم الغايات الأكبر التي يسعى الإنسان لتحقيقها في حياته.

رابعا: مسألة الاستثمار:

 الاستثمار لغة، مشتق من الجذر “ثمر”، والذي يعني الإنتاج والتكاثر. يمكن فهم الاستثمار بمعنى السعي لجني الأرباح أو الفوائد من شيء ما، سواء كان مالًا أو جهدًا أو وقتًا.

وفي الاصطلاح، يعني الاستثمار تخصيص الأموال أو الموارد في مشروع أو أصول معينة بهدف تحقيق عائد مالي في المستقبل. يهدف الاستثمار إلى زيادة قيمة الأصول وتنميتها مع مرور الوقت.

ولقد شجع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على العمل والتجارة، وذكر في حديثه: “ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” (رواه البخاري). هذا الحديث يدل على أن العمل وكسب المال بوسائل مشروعة، بما في ذلك الاستثمار، هو أمر مستحب.

لكن الذي هو ليس مستحبا بالمرة، ويحذر القرآن منه تحذيرا كبيرا، ذلك الاستثمار في الأمور التي تتضمن الربا أو المعاملات المحرمة، كما في قوله تعالى: “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا” (سورة البقرة، الآية 275). من هنا، يجب أن يكون الاستثمار متوافقًا مع قيم ديننا الحنيف.

وبعودتنا إلى رجال الاقتصاد، نجد أن الفيلسوف وأب الاقتصاد الحديث آدم سميث، قد وصف الاستثمار بأنه أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.

ولقد أشار في كتابه “ثروة الأمم”، إلى أن توجيه الأموال نحو الأنشطة الإنتاجية يزيد من الثروة العامة للأمة.

خامسا: مسألة الصدقة:

تجسد الصدقة مبدأ الإيثار، وهو قيمة أخلاقية تعني تفضيل الآخرين على النفس.

 يشرح إيمانويل كانط ذلك، بأن الأفعال التي يقوم بها الفرد يجب أن تنبع من واجب أخلاقي، لا لتحقيق منافع شخصية، والصدقة تعد مثالًا واضحًا على هذا النوع من الأفعال.

ووفقا للمقاربة النفعية مع جون ستيوارت ميل، فإنها تركز على تعظيم السعادة أو الفائدة. من هذا المنظور، ينبغي أن يُنفق المال بطريقة تساهم في زيادة السعادة الجماعية. مثلاً، التبرع للأعمال الخيرية أو دعم المشاريع التي تفيد المجتمع يعتبر تصرفًا فضيلاً لأنه يزيد من الخير العام.

ومنه، يتأكد أن الصدقة تمثل الجانب الإنساني والخيري في التعامل مع المال، حيث يتم تخصيص جزء من الثروة لمساعدة المحتاجين ودعم المشاريع الخيرية. إنها تعبر عن العطاء والتضامن الاجتماعي.

وإذا ما عدنا إلى ما قبل هاتين المقاربتين، وإلى نور الإسلام، فإن النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول: “ما نقصت صدقة من مال” (رواه مسلم). هذا الحديث يعزز القيمة الأخلاقية للصدقة بأن العطاء يؤدي إلى البركة والنماء، وليس الفقدان.

كما أن الصدقة تعزز ذلك الارتباط الروحي بين الإنسان وخالقه، وفي هذا الباب، يعتبر الفيلسوف الصوفي جلال الدين الرومي أن العطاء هو تعبير عن حب الله والامتنان له فالصدقة ليست مجرد عمل مادي، بل هي جزء من رحلة روحية نحو الكمال والإحسان.

ففي الحديث القدسي، يقول الله تعالى: “أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ” (رواه البخاري ومسلم). وهذا يشير إلى أن العطاء يزيد من قرب الإنسان إلى ربه ويعزز علاقته به.

في النهاية، يمثل التعامل مع المال توازناً دقيقاً بين الجانب الشخصي والاجتماعي والاقتصادي، ويعكس قيماً ومبادئ فلسفية عميقة في الحياة اليومية.

وصفوة القول، هو أن نتذكر بأن المال هو الشيء الوحيد الذي يسأل عنه العبد سؤالين بدل سؤال واحد، عندما يقف بين يدي رب العزة، كما جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم ؟” (رواه الترمذي). ولنسطر سطرين تحت:” عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه”.

ثم أيها الإنسان، إن المال الذي قد تظن أنك حُزْتَه من عرق جبينك أو أوتيته عن

علم كما جاء على لسان قارون في الجني او الإنفاق أو الادخار أو الاستثمار أو الصدقة، فإنه أولا وثانيا وثالثا ورابعا…. وعاشرا، مال الله، وأنت أيها الإنسان مجرد مستخلف فيه..

يقول الله عز وجل:” وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ”، يقول أهل التأويل: وأحسن في الدنيا إنفاق مالك الذي أتاكه الله، في وجوهه وسبله، كما أحسن الله إليك، فوسع عليك منه، وبسط لك فيها ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *