مغناطيس بشري

مغناطيس بشري
فائق العبودي

لكثرة ما يحدث لي من مواقف غير قابلة للتصديق، بدأ بعض أصدقائي ينظرون بدهشة لي.

يسألونني بنبرة تجمع بين الجدية والريبة:

“ليش كل هذه المواقف تصير معك؟!!

أقسم أنني أنا نفسي بدأت أتساءل:

هل أملك مجالاً مغناطيسيًا غير مرئي؟

هل هناك تطبيق سري في الكون اسمه “اقتحم حياة هذا الشخص”، وأنا الهدف رقم واحد فيه؟

زوجتي – التي تُجيد تشخيص حالاتي أكثر من أي طبيب-  لديها تفسير بسيط مباشر لا يقبل الطعن:

“أنت مغناطيس بشري تجذب  الناس الغريبة، الأصوات المزعجة، والمواقف اللي ما حدا بيصدقها!”

وأنا أضحك. لا من فرط الفرح، بل من فرط الاستسلام، لأنني فعليًا لا أجد تفسيرًا مقنعًا لما يحدث لي.

خذ مثلًا: أنا عندي حساسية مزمنة من الأصوات الحادة، والعالية.

يعني مو مجرد إزعاج… لا، الأمر يصل إلى حدود “التعذيب السمعي”.

والأغرب؟ الأشخاص أصحاب هذه الأصوات المزعجة لا يجلسون بعيدين عني، بل بالضبط خلفي، أو بجانبي، أو أحيانا فوق رأسي لو أمكن.

في الطائرة يكون الراكب الوحيد الذي قرر يحوّل مكالمة واتساب إلى برنامج حواري بصوت عالٍ… جالس خلفي مباشرة.

أما إذا كانت الرحلة إلى العراق، فتهيأ لتعذيب من نوع خاص يبدأ بعد وجبة الطعام، وليس قبلها، لأن المعدة الشبعانة هناك تطلق صافرة بدء سباق عالمي: بطولة أغرب شخرة في الكون! أتحداك تنام، مجرد المحاولة تعتبر شجاعة تُسجل في كتاب غينيس للبطولات الانتحارية.

العراقيين وأنا أولهم، بعد كل اللي عشناه، تطور شخيرنا وصار شيئا دراميا، مو مجرد صوت… هذا شخير أصبح بطعم النحيب، فيه بكاء مكبوت يمتد من قاع الرئة إلى أطلال بابل.

وأغرب الشخير؟ ذاك الذي ينتهي بـ”نفخة”، ونفخة مو عادية… نفخة تشبه بصقة مستاءة قررت أن تعبر عن إحباطها من العالم، لتنفجر في وجه الوجود وكأنها تقول: “كفى عبثا”! أحيانا تحسها كأنها شتيمة موجّهة للحياة نفسها، أو بيان ختامي قبل السقوط في هاوية اللاوعي.

وللأمانة الكثير منهم مؤدب، ينتظر الذي يجلس جنبه يصل إلى آخر نوتة بالنفخة التي تأتي بعد الشخرة، ثم يبدأ، شخرته بصوت أقوى بطريقة تصاعدية، وهكذا.. وكيف لا ونحن بلد أول نوته في التاريخ، خبرتنا تأتي بالجينات، بالولادة سبحان الله، كأنه مزمار مميز، محشور في مناخيرنا..

 أما في الباص؟

كل سباقات الأطفال بالصراخ مجتمعة في الباص الذي يوصلني إلى مبتغاي، وأحيانًا… بل غالبًا ينزلون معي في نفس المحطة، ويمشون خلفي حتى يوصلوني لمكاني( زفة الله وكيلكم).

الحمد لله، القطار فيه مكان اسمه “Quiet Zone” عليه شعار إصبع على الفم، يقول لك: “لا تحكي، لا تتنفس بصوت عالي!”

وأنا أركض لهذا المكان كأن فيه أمل الخلاص… لكنه للأسف، أحيانا لا يكفي.

عندما تكون زوجتي معي، وأتذمر من صوت يزعجني وأخبرها عنه، تقول لي دائمًا:

“ما كنت منتبهة للصوت أصلًا، بس من يوم ما أنت اشتكيت… صار مثل دق المطرقة بدماغي!”

وهي الآن ضحية ثانوية لمغناطيسيتي المزعجة.

وأنا أُعاني. والله أُعاني.

من صوت ملعقة تتحرك في كوب شاي، وكأنها تُحرّك مصادر الازعاج في داخلي، والكارثة البعض يأخذ وقتًا طويلًا في استخدام هذه الملعقة بتحريك الشاي، يذوب السكر وروحي وهو مستمر، ومجرد أن ينتهي تبدأ أصوات أخرى، الأصوات الشافطة واللاقطة.

اما اذا كنتم تبحثون عن هؤلاء البصاقين المخاطين بأصوات قوية، لا تذهبوا بعيدًا، ستجدونهم يمشون خلفي في الطرقات.

والذين يأكلون ويمضغون بصوت عالٍ تجدونهم جالسين أمامي على نفس الطاولة يمطقون مطقًا، وعندما ينتهون من الأكل يفتحون بابًا صوتيًا آخر كأنه صوت تقبيل، لكنه خاص بتنظيف الأسنان.

أما هؤلاء الرجال الذين تجدهم في المطاعم، قبل الأكل وبعد الأكل يشتغلون بنا.. أنواع الحركات والفعاليات، والأصوات تنطلق من أفواهم من الغرغرة الطويلة والمتقطعة، أما آخر حركة صوتية.. تجد البعض يتفنن بها، تكون مزيج بين الغرغرة، وبين الهلاهل.. وإذا كان حظي سيئًا، ستجد الشخص الذي لا يكتفي بغرغرة واحدة، اثنتان وثلاثة، أما إذا باغتته عطسة بهذا الوقت، سوف يعيد كل شيء من جديد، كونها ليست غرغرة فقط ، بل طقس خاص بالإزعاج والقرف، لا يجيده إلا الذين لا يعنيهم الذوق العام، والحق يقال بعضهم يكون مؤدبًا يوجه لك دعوة لتتقرب منه تشاركه بالتغسيل، أو لتسمعه عن قرب( تفضل غرغر معي).

أما أصحاب الأصوات العالية، الذي يجلس أمامك قريبًا جدًا، وهو يصرخ، يشعرك أنك في ساحة حرب.

يا ربي، ما أبغض الأصوات العالية التي تمزج طبلة الاذن والأنف والحنجرة.

كل هذه الأصوات بالنسبة لي ليست تفاصيل… بل كوارث صوتية مصغّرة ومدمرة نفسياً، تدمرني وتعصبني جداً.

لكن يا سادة، هذه مجرد مقبلات.

دعوني أروي لكم موقفا من سلسلة المغناطيس:

في بداية العام، قررنا انا وزوجتي السفر إلى المغرب، خطة الرحلة كانت منظمة :

الرباط، مكناس، شفشاون، تطوان، طنجة، أصيلة، ثم العودة للرباط.

الرحلة تبدأ الساعة 7 صباحًا.

يعني: استيقاظ في الثالثة فجرًا، استعداد في الظلام، وسباق مع الزمن.

وبما أنني كائن قلق بطبعي، قررت أن أنام مبكرًا… والنتيجة؟

ليلة بيضاء راقبني فيها النوم من بعيد وهو يضحك باستهزاء.

في الرابعة صباحًا، صعدنا القطار نحو مطار جنيف.

وصلنا في الوقت المحدد قبل موعد الطيران، ركبنا الطائرة، وجلست مكاني، وفعلت ما يفعله الكائن المرهق:

أغمضت عيني وتظاهرت بالنوم.

هل نمت فعلاً؟ أو حلمت؟ لا أعرف… 

بعد الوصول إلى الرباط، أخذنا الباص إلى محطة القطار، ثم حجزنا مقاعد في الدرجة الأولى من أجل راحتنا.

وكانت المقصورة هادئة ونظيفة.

وأخيرًا، قلت لنفسي:

“هنا… هنا سأرتاح!”

أغمضت عيني، القطار ينطلق، موسيقى العجلات، والسكة الحديدية، الرتم يدعو للنوم. بدأت أشعر أن الحياة يمكن أن تكون كريمة أحيانًا…

وفجأة…

فتح باب المقصورة كما في مشهد اقتحام بوليسي.

رجل بصوت خشن وهو يضرب على كتفي:

“أنت في مكاني!”

فتحت عينيَّ، أين أنا أصلاً؟

وجدت نفسي في القطار..

وماذا : هل أخطأت؟ هل فعلاً  أخذت مقعده؟

بحثت عن تذكرتي التي لا أتذكر بأي جيب وضعتها، ووجدتها ولله الحمد، نظرت، كل شيء صحيح، الأرقام متطابقة.

تدخل الركاب مؤكدين صحة مكان جلوسي، ارتبك الرجل، وانسحب يتمتم كمن خسر هجومه.

ضحك البعض. أنا ابتسمت ابتسامة من يشعر بالنجاة.

عدت لأغمض عيني… ونمت مرةً أخرى، أو هكذا ظننت.

لكن الحياة لا تحب الهدوء،

الرجل… عاد .

نعم! عاد،  هذه المرة بابتسامة غريبة، وصوت أخف، وقال لي كأنه يشرح نظرية فيزيائية:

“والله تخيّل! أنا وأنت عندنا نفس رقم المقعد! بالضبط! صدفة نادرة صح؟”

الفرق درجة أولى، ودرجة ثانية.. ثم بدأ يروي لي قصة التذاكر المكررة، والكون المتداخل، والانفجار العظيم، وكل ذلك وأنا نصف نائم.

ومن يومها…

صرت أنام مثل القطط: عين مفتوحة تراقب الأحداث، وعين تحلم.

واحدة تراقب الباب، والثانية تحلم بحياة لا أحد فيها يصرخ … “أنت في مكاني!”

بربكم قطار فيه أكثر من أربعمائة شخص،  كيف كان  رقم كرسيه مطابقًا لرقم مقعدي؟

راح انجن…

قبل أيام وفي وقت متأخر من الليل، رن هاتفي، لم أرد، فالرقم غير مسجل عندي، سأجعله يترك رسالة وأسمعها فيما بعد … وبعد خمس دقائق رن مرة أخرى، قلقت، قلت ربما كان شيئًا مهما، أو حالة طارئة، رفعت الهاتف، وإذا بشاب يسلم باللغة الفرنسية، قلت تفضل، قال: أنا لا أعرف لماذا اتصلت بك… صدمني، جاوبته على الفور:

طيب أنا أساعدك من أنت؟ قال اعذرني.. يبدو أخطأت.

 قلت له: أنا أؤكد لك أنك اخطأت..

وهكذا… عزيزي القارئ…

هل أنا مغناطيس فعلاً؟ هل أملك طاقة جذب تؤدي إلى انحراف الأحداث نحوي؟

أم أنني فقط ألاحظ التفاصيل أكثر من اللازم، وأحوّل كل صدفة بسيطة إلى موسم جديد من مسلسل عبثي من بطولتي؟

بغض النظر عن الجواب…

النتيجة واحدة:

الحياة كلما شعرت بالملل، قررت أن تتسلى بي بصوت يزعجني، أو بموقف عجيب يدهشني.

دمتم بخير وسلام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *