شيء من اليومي(2) قوة العوسج ولطف البنفسج..
ذات مرة، قال أحدهم:” جناك على مقدار ما غرسته، فدونك فاختر: عوسجا أو بنفسجا”.
ليس النبات في تجربة أهل الذوق كائنًا طبيعيًا فحسب، بل نصٌّ كوني مفتوح، تُقرأ فيه أحوال السالكين كما تُقرأ الآيات في القرآن والأنفس في الوجود.
ومن بين النباتات التي تتيح هذا الانفتاح الرمزي، يبرز العوسج شوكًا وصلابةً، والبنفسج لينًا وانحناءً وعطرًا خفيًا.
كأن الوجود نفسه انقسم بينهما: قوة تحمي المعنى، ولطف يكشفه
شوك المجاهدة وتواضع الجمال..
العوسج نبات صحراوي شائك، لا يُثمر بسهولة، ولا يُقطف إلا بجرح. وفي مخيال أهل الله، هو رمز الطريق الوعر، طريق المجاهدة وكسر النفس، يقول أبو القاسم القشيري: “المجاهدة حمل النفس على المكاره، ومخالفة الهوى”.
العوسج، هنا، هو النفس.. إذا تُركت: شوكٌ إن أُهمل، وسيَّاج إن هُذِّب.
فكما أن العوسج يحمي ما حوله من الرعي الجائر، كذلك المجاهدة تحمي القلب من الابتذال.
وفي تجليات أهل العقل والنقل، يمكن قراءة العوسج بوصفه تجليًا لمفهوم الضرورة: فالحق لا يُنال بلا مقاومة، ولا يُدرك بلا جهد. وكم تصدق الآية الكريمة، إذ تقول
” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين”
يقول الإمام أبو حامد الغزالي: ” اعلم أن الطريق إلى الله مسدود إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله”.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” حُفَّتِ الجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشَّهوات”.
ومنه، أن طريق الجنة (والجنة هنا: كل جليل جميل)، يمر عبر مجاهدة النفس، وتحمل وعورة الطاعات التي تكرهها النفس، بينما طريق النار يمر عبر إشباع الشهوات التي تميل إليها النفس، فمن اجتاز مكاره الطاعة وصل الجنة، ومن اتبع شهواته وصل النار.
إذن، ليس العوسج قسوةً عبثية، وإنما قساوة مُربّية تحرس المعنى بشوك المجاهدة
أما النقيض الظاهري، البنفسج فهو: لين، عطِر، منخفض، لا يفرض حضوره، بل يُكتشف.
وقد توقّف كبار أهل الطريق طويلًا عند دلالته، حتى قال ابن عربي في فتوحاته المكية: ” البنفسج أشرف الأزهار، لانحنائه تواضعًا، لا ضعفًا”.
فانحناء البنفسج اختيار وجودي، لا عجز طبيعي.
وإنه بهذا المعنى، رمز لذلك الإنسان المحقق: القائم بالحق، ولكنه لا يزاحم به
وقد جاء في حكم أهل الذوق: ” كل ما علا ظهر، وكل ما ظهر فُتن، أما البنفسج فبقي، لأنه اختار الخفاء”.
ويعزز هذا المعنى ما أورده ابن عجيبة في كتابه إيقاظ الهمم في شرح الحكم: ”الأنوار لا تستقر إلا في القلوب المتواضعة”، تلك القلوب التي تذكر الله على الدوام وتخدم عباد الله في تواضع.
جدل العوسج والبنفسج..
ليس العوسج والبنفسج ضدين متنافرين، بل مرحلتان في الطريق
العوسج؛ بداية السلوك: تطهير، صبر، شوك واستغفار
البنفسج؛ ثمرته: لطف، جمال، سكينة وكلمة طيبة
والجسر بينهما الإكثار من الصلاة على الحبيب المصطفى
وهذا الجدل يشبه ما عبّر عنه نيتشه فلسفيًا، وإن بلغة أخرى، حين ميّز بين: القوة التي تُهذِّب والقوة التي تُفسد.
لكن القلب المملوء بالإحسان يضيف بعدًا غائبًا عن العقل الفلسفي لنيتشه، فيقول: أن أقصى القوة هي اللطف، وأن البنفسج لا يُلغِي العوسج، بل يتجاوزه.
وفي الإنسان عوسج وبنفسج:
العوسج: العقل، الشهوة، الأنانية، الصراع.
والبنفسج: الروح، الحنان، العاطفة، الميل إلى المعنى.
والحياة، والحكمة البالغة، والدرس: ليست في اقتلاع العوسج، لكن في جعله ذلك السياج الذي يحمي البنفسج من الدوس.
يقول صادق جاد من أهل الطريق: ” التزكية ليست قتل النفس، بل نقلها من الأَمّارة إلى المطمئنة”.
هذا.. ونخلص إلى أن العوسج والبنفسج ليسا مجرد نباتين فحسب، بل صورتان للوجود: واحدة تعلّمنا كيف..؟ والأخرى تعلمنا لماذا..؟
كيف نصمد..، ولماذا نصمد..؟
فطوبى، لمن عَبَر شوك العوسج، ولم يتوقف عنده، حتى أزهر في قلبه بنفسجٌ،
لا يُرى.. لكن يُغيّر العالم.

