بين قتل هولاكو للمستعصم بالله وإهانة ترامب.. مقاربة في السلطة والكرامة

بين قتل هولاكو للمستعصم بالله وإهانة ترامب.. مقاربة في السلطة والكرامة
أحمد المعطاوي

على مر العصور، تشهد العلاقة بين القوة والكرامة الإنسانية اضطرابات حادة، تتجلى في صور مختلفة من الاستبداد السياسي والمهانة الدبلوماسية ذات يوم من عام 1258، قتل هولاكو الخليفة العباسي السابع والثلاثين المستعصم بالله.

وهذه الأيام يملأ خبر إهانة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبعض الزعماء العرب، سمع وبصر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

إذن، فذلك القتل القديم، وهذه الإهانة الحالية يمثلان نموذجين لمفارقة السلطة بين القوة العنيفة والاحتقار الرمزي.

ومنه، تحاول هذه السطور تفكيك العلاقة بين السلطة والكرامة مستشهدة بشواهد من الفكر الفلسفي ومن القرآن الكريم.

 أوَّلاً؛ السلطة والكرامة بين القوة الجسدية والرمزية:

تشير المفارقة بين الحدثين إلى أن السلطة التي يقال عنها أنها تفسد، والسلطة المطلقة تفسد فسادا مطلقا، هذه السلطة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تمتد إلى الهيمنة الرمزية والسياسية.

فحين أبى المستعصم الخضوع لسلطان هولاكو راسله هذا الأخير برسالة قال فيها:

“حينما أقود الجيش إلى بغداد مندفعا بالغضب، فإنك لو كنت مختفيا في السماء أو الأرض، فسوف أنزلك من الفلك الدوار، وسأُلقيك من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع حيا في مملكتك، وسأجعل مدينتك وإقليمك وأراضيك طُعمة للنار”.

ويحكى أنه كان من عادة المغول ألا يراق دم أمير أو ملك وقت غزواتهم، فلَفُّوا المستعصم في بساط، ثم أمر هولاكو بضربه أو دعسه حتى الموت، وبموته كانت نهاية الخلافة العباسية.

وبينما مارس هولاكو، الذي قال عنه الجويني: “إن هولاكو لديه شغف وميل إلى تعمير الخرائب، وإنه كان يدمّر ويعمّر”، مارس سلطته عبر العنف الجسدي على المستعصم، نرى أن ترامب لجأ إلى الإذلال الخطابي والسياسي.

جاء في صحيفة معاريف العبرية: “إن زيارة أحد الزعماء للبيت الأبيض تحولت إلى لحظة محرجة علنية، حيث أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعامله المتعالي، ما اعتُبر إهانة علنية أمام الكاميرات”.

وأضاف الكاتب في الصحيفة:” لا أذكر أبدا مثل هذا المشهد حيث زعيم حقيقي، تحترمه أمة كاملة، ويعدُّهُ شعبُه قائدا أعلى ويخضع له، تتم إهانته وإذلاله أمام كاميرات العالم، وخاصة أمام كاميرات شعبه الذين يشاهدونه، فجأة يخرج من حدود الدولة ليظهر في صورة لا تُصدًّق”.

في كلتا الحالتين، كان هناك استهداف لشخص يمثل رمزًا للأمة أو الدولة، ما يعكس رغبة السلطة المهيمنة في سحق كرامة الآخر، سواء بالقتل أو الإهانة.

يُذكر أن هيغل في “فينومينولوجيا الروح” قد تناول جدلية السيد والعبد، والتي لخصها دومينيك فولشيد في كتابه المذاهب الفلسفية الكبرى كالتالي :” إنَّ على الإنسان، الذي هو كائن رغبة، أن يمرَّ عبر الآخر لكي يعترف به، ويصل إلى إدراك نفسه.

ولما كان كل إنسان يصرُّ على الشيء نفسه، فينجم عن ذلك صراع حتى الموت يفوز فيه الإنسان الذي يتقبل المخاطرة القصوى على الإنسان الذي يفضل البقاء على قيد الحياة كحيوان، يقول هيجل: “فكلّ طرف إنّما ينزع إلى موت الطرف الآخَر… فيمتحن كلٌّ منهما الآخر، عبر الصراع من أجل الحياة والموت”.

بيد أن العبد، يتابع دومينيك، الذي يجبره سيِّده على العمل، سيتوصل إلى التعامل مع الطبيعة والسيطرة عليها ومن ثم الحلول محل سيده”.

و  يمكن إسقاط هذا التحليل على الواقعتين؛ فهولاكو لم يكتفِ بهزيمة بغداد، بل قتل الخليفة ليؤكد سيطرته المطلقة، بينما ترامب، في سياق مختلف، استخدم الإهانة لفرض تفوقه السياسي وسيطرته كسيد للبيت الأبيض، ويؤكد هذا التغطرس، حين قال لأحد رجال الصحافة حين سأله بشكل مستفز :” أنت غير مهم، وعليك أن تحترمني، فأنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية”.

ثانياُ؛ الكرامة والسلطة بحسب منهاج القرآن:

وإذا كانت الكرامة-بحسب ما سبق- تستمد من القوة العسكرية والهيمنة السياسية، فمن منظور قرآني، الكرامة الإنسانية مفهوم جوهري يتجاوز السلطة الزمنية.

يقول الله تعالى في سورة الإسراء: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا”.

هذه الآية تؤكد أن الكرامة مستمدة من الإنسانية ذاتها، وليس من المنصب أو القوة العسكرية ويشمل التكريم الإلهي جميع البشر دون تمييز، مما يؤسس للكرامة حقها

الأصيل والملازم لكل إنسان.

وهذا المعنى يتقاطع مع مبادئ حقوق الإنسان الحديثة، حيث تعد الكرامة الإنسانية أساسًا لكل الحقوق الأخرى.

ويستلزم كون الإنسان مكرمًا الحفاظ على هذه الكرامة في سلوكه وأفعاله، كما عليه أن يكون مسؤولا أخلاقيا تجاه الآخرين، فلا يجوز إهانة الإنسان أو استعباده أو معاملته بظلم.

وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في سطور كتابه المقدمة، حيث كان يرى أن انهيار الدول يحدث عندما تفقد النخبة السياسية الحاكمة هيبتها واحترامها أمام القوة الصاعدة.

ونخلص مما سبق إلى أن القتل، الذي هو ذروة العنف المادي، يبدو أقسى من الإهانة، إلا أن الأخيرة قد تكون أكثر دمارًا في بعض السياقات، إنها تعبر عن عنف رمزي لا يقل تأثيرًا، وقد يُحدث شرخًا في منظومة العلاقات الإنسانية والدولية على السواء، فالإنسان لا يحيا بالمادة فقط، بل بقيم القوة والاعتراف.

وفي عالم السياسة، الاعتراف والهيبة لا يقلان أهمية عن القوة العسكرية فعندما قُتل المستعصم، انتهت حياته لكنه ظل رمزًا لانهيار دولة.

 أما عندما أُهين ملك الأردن، لم يُسلب منه وجوده، لكنه تعرض لإضعاف معنوي قد ينعكس على مكانته السياسية داخليًا وخارجيًا.

في النهاية، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية مواجهة الاستبداد، سواء تجلى في صورة القتل المباشر أو في صورة الهيمنة الرمزية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *