استراتيجية مكافحة الفساد في المغرب ..أدوات وبنيات في انتظار “النضج“ المنشود

استراتيجية مكافحة الفساد في المغرب ..أدوات وبنيات في انتظار “النضج“ المنشود

عند إعطاء الانطلاقة الرسمية للاسترتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في 2016، تم التأكيد على أن العمل ضمن هذه الخطة التي تعد الأولى من نوعها بالبلاد، سينتظم في ثلاث مراحل، آخرها “مرحلة النضج” التي ستبدأ في 2022 وتنتهي في 2025.

وقبل الوصول إلى مرحلة “النضج”، بدأت الاستراتيجية بمرحلة “انطلاقة” التي انتهت في سنة 2018. وكان الهدف منها وضع مشاريع يسهل على المواطنين تتبعها وتحضير القاعدة القانونية للمشاريع اللاحقة، وذلك من أجل الدفع بدينامية الاستراتيجية الوطنية.

أما المرحلة الثانية التي تشرف على الانتهاء، فقد اختار لها القائمون على الاستراتيجية عنوان “مرحلة التوسيع” (2019 إلى 2021). وتسعى الحكومة وشركاؤها ، من خلالها ، إلى إحداث “التغيير الجذري” في العلاقة مع الفساد داخل المجتمع بشكل عام.

وللإشراف على تنزيل الاستراتيجية وكذا باقي برامج تعزيز النزاهة ومكاحة الفساد، تم بموجب مرسوم صادر في نونبر 2017 تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد كهيئة يرأسها رئيس الحكومة وتضم في عضويتها ممثلين عن بعض السلطات الحكومية والهيئات ذات الصلة وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني.

وقد أصدرت اللجنة تقريرا تركيبيا عن مستوى تنيفذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في مرحلتها الأولى (2016-2018) كان من أبرز خلاصاته أنه من بين 89 مشروعا ضمتها المرحلة، تم تنفيذ 59 مشروعا، فيما تم تحقيق إنجازات مرحلية في 30 مشروعا إلى حدود نهاية المرحلة. ويتعلق الأمر في جزء كبير من المشاريع المنجزة بمبادرات لتسهيل وتحسين استقبال المواطن المرتفق وتلقي شكاياته في الإدارات والمصالح العمومية و رقمنة عدد من الخدمات.

وفي هذا الإطار، وبعد تجارب لاستقبال شكايات المواطنين في عدد من الوزارات والمصالح الإدارية والخدمية، أطلقت الحكومة البوابة الوطنية الموحدة للشكايات “شكاية. ما” بهدف استقبال شكايات وتظلمات المواطنين وتأمين تتبعها والإجابة على رسائلهم وتقديم حلول لمشاكلهم وكذا تلقي ملاحظاتهم واقتراحاتهم بهذا الصدد.

وتعد البوابة الوطنية الموحدة للشكايات ، حسب التعريف الوارد في موقعها الإلكتروني ، أداة لتعزيز قنوات التفاعل بين الإدارة والمواطن باعتبار رأيه أولوية ووسيلة لتقويم أداء الإدارة وتحسين جودة خدماتها.  وقد بلغ عدد الشكايات التي توصلت بها البوابة ، إلى حدود الأسبوع الأخير من فبراير الجاري ، 209 آلاف و976 شكاية بلغت نسبة المعالج منها 78.25 بالمائة فيما فاقت نسبة الرضا عن المعالجة ، وفق الأرقام المنشورة على البوابة نفسها ، 66 بالمائة.

ومن أهداف البوابة الرئيسية، تسهيل عملية تقديم وتتبع الشكايات في أي مكان وزمان، وتوفير الوقت والجهد، وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية والعمل التشاركي من أجل القضاء على الفساد، وإشراك المواطن في تحسين جودة الخدمات العمومية. وهي بذلك تبقى ، بالدرجة الأولى ، وسيلة للتقويم الذاتي للإدارة. ويظل الخط الهاتفي المباشر الذي وضعته رئاسة النيابة العامة رهن إشارة المواطنين للتبليغ عما يتعرضون له من ابتزاز أو رشوة أو ما يقفون عليه من جرائم الفساد، أداة جزرية يشكل فيها المواطن المرتفق أيضا حجر الزاوية. وقد دأبت مختلف وسائل الإعلام الوطنية على نشر تفاصيل حالات تم فيها ضبط مسؤولين من قطاعات وأسلاك مختلفة في حالة تلبس بتلقي رشوة أو ابتزاز بفضل التبليغ عبر الخط المباشر. بل إن بعض هذه الحالات شكلت مادة إعلامية دسمة وجدت طريقها للصفحات الأولى للجرائد والواجهات الرئيسية للمواقع الإلكترونية الإخبارية وكذا على مواقع التواصل الاجتماعي.

 وفي انتظار التقييم المرحلي للمرحلة الثانية والثالثة للاسترتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والتي ستتوج بتقييم شامل في نهاية مدة الاستراتيجية (10 سنوات) يفتح الباب أمام “دورة جديدة” من مكافحة الفساد، فإن هذه الخطة الوطنية وضعت أهدافا مرقمة في أفق 2025 يمكن منذ الآن الوقوف على مستوى المنجز وحجم العمل المتبقي لبلوغ ” النضج” المنشود.

فلقياس مدى تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، سيتم الاستناد ، حسب مقدمة أول تقرير تركيبي عن تنفيذ مشاريع المرحلة الأولى ، إلى مجموعة من المؤشرات الوطنية والدولية المرقمـة ذات الصلة بالفساد ومتابعة تطورها. وتهدف الاستراتيجية من خلال المشاريع المبرمجة إلى تحسن عدد من المؤشرات، كالمؤشر العالمي لإدراك الفساد لمنظمة الشفافية الدولية والذي تترقب الاستراتيجية أن ينتقل مــن النقطة العددية 100/36 إلى 100/60 في أفق 2025، ومؤشر مناخ الأعمال الذي يرتقب أن يرتقي ب20 نقطة، ومؤشر التنافسية العالمي المنتظر ارتفاؤه ب25 رتبة.

 فبخصوص مؤشر مناخ الأعمال والذي يقيس مدى فعالية الإجراءات والتحسينات والإصلاحات لفائدة المقاولات والمستثمرين وعموم المواطنين من حيث تسهيل نشاط المقاولة وحماية المقاولات الصغرى والمتوسطة وحماية المساهمين الصغار داخل الشركات والمدة اللازمة للحصول على بعض الخدمات والرخص، استمر المغرب في تحسين موقعه وتحقيق تقدم بصورة مطردة في هذا المؤشر منذ 10 سنوات، بحيث انتقل من الرتبة 128 إلى المركز 53.

وفي المقابل، فإن مؤشر مدركات الفساد لسنة 2019 حمل نتائج سلبية تسائل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد والقائمين على تنفيذها، إذ أن تقرير هذا المؤشر للسنة الماضية والذي تم تقديمه بالرباط قبل بضعة أسابيع، يشير إلى أن المغرب الذي حصل على معدل متوسط ب 38.75 خلال السنوات الثماني الماضية، خسر نقطتين وسجل تراجعا ب7 درجات في التصنيف المتعلق بهذا المؤشر، ليحتل المرتبة 80 بينما كان سنة 2018 في المرتبة ال73.

ويرتكز مؤشر مدركات الفساد لعام 2019 على دراسات استقصائية مختلفة لتحديد درجة وتصنيف الدول على سلم الرشوة والعجز على مستوى الشفافية، يتراوح من 1 (جد فاسد) إلى 100 (قليل الفساد)، حيث يعتمد مؤشر 2019 على 13 تحقيقا وتقييما من إنجاز وكالات وخبراء لقياس فساد القطاع العام في 180 بلدا.

وقد اعتبرت منظمة (ترانسبرانسي-المغرب) ، بمناسبة تقديم التقرير بالرباط ، أن النقاش الحالي حول النموذج التنموي الجديد يستوجب الأخذ في الاعتبار بجدية مكافحة الفساد والقطع تماما مع اقتصاد الريع، و على “ضرورة تعزيز دور المؤسسات المسؤولة عن الحفاظ على التوازن وفصل السلطات وسد الثغرات في تطبيق التشريعات”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.