تنامي اللجوء إلى الطلاق في المجتمع المغربي

تنامي اللجوء إلى الطلاق في المجتمع المغربي
بقلم : ذ. زينب منتصر

 

شهد المغرب في الآونة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في التوجه إلى المحاكم من أجل الطلاق، حيث صارت تلقي بظلالها على البنية السوسيولوجية كمحرك رئيسي لتقدم المجتمع الحديث.

 وهنا تتبادر الى أذهاننا جملة من الأسئلة الملحة و الجوهرية حول الأسباب المحركة لهذا العدد الكبير من اللجوء إلى الطلاق، سواء من الزوج أو الزوجة التي لها حق اللجوء إلى الطلاق للشقاق.

 هذه النتيجة قد تكون حتمية لوجود خلل كامن في المنظومة الأسرية، مرده الى التنشئة الاجتماعية التي نتلقاها ضمن الجماعات السوسيولوجية الأولية كالأسرة و المدرسة، باعتبارهما أول مجتمع مصغر يستطيع أن يبصم طابعه الخاص على شخصيتنا خاصة في المراحل العمرية المبكرة.

والشخصية الإنسانية طبعا ليست معطى تابت، بل هو كيان متحرك يتطور باستمرار وينهل من مختلف المواد و المكونات المؤثرة التي تتحرك ضمن دينامية متطورة، في عصر أصبح يعصف بكل ما ظنناه ثوابت و حتميات معرفية و اجتماعية و عقدية.

 كل هذه المعطيات المتحولة في تناسخ تارة و إعادة بناء تارة أخرى ، تجعل من حياة الشخص اليوم زوبعة حقيقية تحتاج الى إعادة الترتيب، ولعل أسلوب الحياة الذي نعيشه في ظل ظروفنا الراهنة يعكس حجم المعاناة الإنسانية، و التي تجعل الشخص يخوض حروبا نفسية مع ذاته و مع الآخرين.

حياة يطبعها الإحساس الدائم بانعدام الاستقرار على جميع الأصعدة، و في مقدمتها الجانب النفسي الذي تعكسه الضغوطات اليومية المختلفة، من غلاء للمعيشة و انخفاض لمستويات الأجور التي لم تعد تلبي الاحتياجات البسيطة، زد على ذلك الحروب النفسية التي يمارسها الاعلام، والذي يكرس من خلالها طاقة سلبية هائلة كالخوف من الأمراض المستجدة ( انفلونزا الطيور ، فيروس كورونا و متحوراته، جذري القردة ….الخ).

الحروب المناخية (كثرة الزلازل ، البراكين ، الفيضانات، و الخسوفات و الانهيارات الأرضية …الخ) ، الحروب الطائفية و العرقية ، انتهاك التكنولوجيا الحديثة للخصوصيات الأسرية ، ونقل صور مغلوطة حول فن العيش و تربية الأطفال و العلاقات بين الأزواج، مما يخلق احتدام الإحساس بعدم الرضى و انعدام القناعة لدى الشخص من كلا الجنسين في اختيار شريك الحياة، مادام الاعلام قد نجح في تقديم صورة نمطية و جسدية مغلوطة عن المرأة ( صورة وهمية مركبة عن طريق الماكياج و الفلتر).

و هكذا يعتقد الزوج أنه يستحق زوجة حسناء و غنية و فائقة الجمال، ناسيا أو متناسيا أن العوامل و المتغيرات الفيزيولوجية التي تمر بها المرأة ، من خلال تجربة الحمل و الولادة ، و ما يرافقها من اضطرابات هرمونية تساهم في تغيير شكل المرأة و التأثير سلبا على جسدها ( السمنة بسبب عامل السن و الاضطراب الهرموني – ظهور قناع الحمل و هو عبارة عن بقع بنية داكنة بالوجه -ظهور السيلوليت بعد الولادة سواء الطبيعية أو القيصرية …).

 وتكاد هذه الاضطرابات أن تكون مرافقة للمرأة طيلة حياتها بمجرد أن تتخطى سن الانجاب بعد الأربعين، تدخل مرحلة نفسية جديدة تسمى سن اليأس، وقد سميت كذلك لأن المرأة تعرف فيها تغيرات هرمونية عديدة تؤثر سلبا على صحتها النفسية التي تصبح هشة للغاية، فتعاني خلالها من الحساسية المفرطة، وتحتاج معها الى معاملة خاصة تظهر لها الدعم النفسي و المعنوي الكافي.

هذا فيما يتعلق بالمرأة أما بالنسبة للرجل ، فيمكن أن يعزى الخلل الى الصورة النمطية التي تبنى في مخيلة المرأة، و التي يلعب الاعلام مجددا دورا بارزا في تشكيلها، حيث يرسخ نموذج الرجل المثالي الغني و الرومانسي ، ما يدفع المرأة الى فرض أسلوب اجتماعي جديد، مستلهم من النموذج التركي على غرار الأفلام و المسلسلات.

وهو نموذج وهمي أيضا للاختلاف الشاسع بين ثقافتنا و ثقافة الأتراك، من نواحي عديدة ، كظروف العيش و ظروف العمل والقوانين و غيرها من الخصوصيات التي تجعل المقارنة بين النموذجين مقارنة فاشلة و قاصرة لغياب العوامل المشتركة ( التاريخية ، الاجتماعية ، الدينية، و الوجدانية ….).

لا يكاد يكون هذا الخلل وحيدا، بل هناك اختلالات أخرى تطرأ من خلال الانتقال المهول في مجتمعاتنا، من مجتمعات قيمية أخلاقية الى مجتمعات استهلاكية مادية، جعلت المرأة تسعى بأقصى جهدها وراء تحقيق الذات ( من خلال العمل فقط ، متناسية دورها الطبيعي كزوجة و كأم ، وهي أدوار يستحيل اسقاطها أو تعويضها).

الانتقال الخطير لترسيخ القيم المادية أثقل كاهل المرأة بالعمل و السعي، و بالتالي تزايدت أدوار المرأة و تفاقمت مسؤولياتها مقارنة بالرجل.

ولعل الدراسات النفسية كشفت عن كون معظم السيدات يعانين من الشعور بالذنب ، و من تأنيب الضمير الذي يلازمهن تجاه أبنائهن ، لاعتقادهن أنهن مقصرات ، هذا الاعتقاد المتزايد قد يخلق فجوة أو هوة نفسية لدى المرأة لشعورها الدائم بأنها لا تؤدي دورها كما ينبغي ، ومن جهة ثانية تتجلى المشكلة النفسية الأخرى في احساسها بالقهر ، لكونها نادرا ما تستفيد من الترقي الوظيفي اذا كانت عاملة أو موظفة، وهذا يرجع للخصوصيات البيولوجية التي تدفع المرأة للادلاء لمشغلها بين الفينة و الأخرى بشواهد طبية، ما يعرقل ترقيتها المهنية حتى و إن كانت إطارا كفؤا.

ولاشك أنه من خصوصيات المجتمع الراهن جعل المرأة الكائن الوحيد المطالب بالعطاء و بذل المجهودات المستميتة في وسط ذكوري يتبجح بالديمقراطية، في حين أنه لازال ينظر الى المرأة نظرة تقليدية، مجتمع فصامي ومتناقض، تائه بين أفكاره الكلاسيكية وبين رغبته في تقليد الأمم الغربية، الذي ساوى بين المرأة و الرجل في العمل دون أن يراعي مسؤولياتها الخاصة و التزاماتها الأسرية ، و أصبحت المرأة تدور في دوامة مغلقة ، جعلتها ضحية الى جانب أبنائها  الذين هم المتضرر الأكبر في حالة الانفصال عن الزوج.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *