شبابنا المغربي و ظاهرة الفقر الثقافي
يعج مجتمعنا الحديث بالعديد من الظواهر و الآفات السوسيوثقافية التي تلقي بظلالها على جل البنى المكونة للنسيج المجتمعي، و من ضمنها ظاهرة الفقر الثقافي الذي صار يطبع شخصيات الشباب اليوم.
فالسواد الأعظم منهم لا يملكون ملكة الحوار البناء، و لا أساليب التواصل السلس. فهل يرجع ذلك بالأساس الى التربية الوالدية الخاطئة أو الى الأساليب التربوية المستوردة البعيدة كل البعد عن روح المجتمع و ثقافته؟ أم أن الأمر يرتبط بآليات التواصل الحديثة و المجتمع السيبراني الذي انتشل عقول شبابنا، وقام باجتثاث أجسادهم و أرواحهم من العالم الواقعي، فجعلهم هائمين في العالم الافتراضي الذي يشكل بالنسبة اليهم وسيلة للهروب من قساوة الواقع و تناقضات المعيش اليومي؟
ما يحز في النفس حقا، أنك عندما تحاور أحد الشباب في أي موضوع كان، في الفن أو الأدب أو التاريخ أو الحضارة، تجد معلوماته هزيلة جدا، بل تكاد تكون منعدمة. ليس فقط فيما يخص الثقافات الأجنبية، بل حتى فيما يتعلق بثقافته الأم وهويته الخاصة.
شبابنا اليوم منبهرون بسحر التكنولوجيا، مستلبون ثقافيا، يقضون جل أوقاتهم أمام شاشات الحاسوب أو الهاتف الذكي، دون أن يحاولوا تحقيق الاندماج و التكيف المطلوب داخل الأسرة و المجتمع، معظمهم لا يملك وقتا للحوار المباشر مع خلانه أو أقرانه أو أسرته، فتجده طوال الوقت منعزلا متقوقعا على ذاته، التي يختار اللجوء اليها بعد ساعات المدرسة، ويبقى مشدوها أمام عالمه الخاص، حيث تتبلد لديه ملكات الابداع و تتخدر الخلايا العصبية للدماغ.
فيطمس بذلك أجما ما في الشخصية الإنسانية.
لقد تورطنا في الهدم بدل البناء، ونحن في أمس الحاجة الى معاول الإصلاح لنتقدم، بل فقط لنخرج أجيالنا من براثن التبعية و التخلف.
لا شك أن هذه الآفة تستدعي منا جميعا التدخل العاجل لوقف هذا الاستنزاف الاجتماع ثقافي الداخلي الذي ينخر فينا، والذي لا يمكن نسبته للآخر كما اعتدنا أن نفعل. بل هي آفة جوانية نابعة من قلب مجتمع يعيش تهاونا صارخا من طرف جميع القوى الفاعلة في عملية التنشئة الاجتماعية: الأسرة و خاصة الأم ، فهي أكثر طرف فاعل قد يصنع التغيير، انطلاقا من محاولة خلق وبناء سلوكيات تجسد جوهر التربية السليمة، ثم مرورا بالتربية و التعليم داخل منظماتنا و مؤسساتنا كنوى ديناميكية فاعلة ، فعوض أن نتعامل مع المدارس كمقاولات ربحية هدفها انتاج تلاميذ يراكمون حصيلة من النقط فقط دون أن تصنع منه الانسان السوي المتواصل و المندمج و الفاعل داخل مجتمعه.
و لاننسى في هذا المضمار، أن انهيار صورة المثقف في العالم بشكل عام وفي مجتمعاتنا العربية و الإسلامية بشكل خاص، دفعت بالشباب في التفكير فيما هو مادي صرف، مادامت الثقافة في بلداننا تبقى مسألة هامشية مجردة من قيمتها الحقيقية.
فيوم ترجع للمثقف مكانته المهمة كما هو الحال في الدول المتقدمة، آنذاك فقط قد نتحلى بالمصداقية و نخلق حافزا لدى شبابنا كي يقرأ ويرتقي.
إن الإشكال الحقيقي الذي نعاني منه، ليس انهيار صورة المثقف فحسب، بل أيضا تلاشي القدوات لتحل محلها “الرويبضة” و الرعاع و الغوغاء، الذين صاروا اليوم يشغلون حيزا مهما على صفحات التواصل الاجتماعي.
لقد آن الأوان لنغير عاداتنا اليومية و نتبنى عادات جديدة و صحية، تصبح فيها التربية وصناعة الأجيال همنا الأكبر و الأعظم، ليساهم كل من موقعه في صفقة الإصلاح الرابحة، اتي يتم من خلالها بناء الملكة الثقافية، انطلاقا من الأسرة مرورا بالمدرسة ووسائل الاعلام التي يتوجب على المسؤولين و المصلحين التربويين و الاجتماعيين شن حملات توعوية حول أهمية الثقافة في صناعة التغيير و بناء مجتمع سليم وواع. مجتمع مؤمن أن صناعة التغيير تنطلق من صناعة الانسان.


شكرا للاستاذة زينب عل هذا الموضوع الهام. فعلا وضعت يدك على مكمن الخلل. اتمنى لو فهم المسلمون العرب رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام. والاتي يلخصها ص. انما بعثت لاتتم مكارم الأخلاق. لذا اهم شيء في الحياة الأخلاق. والعلم والثقافة اهم الأدوات للوصول إلى المبتغى.
دائما متألقة أستاذتي الغالية🥰❤
شكرا لك استاذتي على هذا الإسهام الفكري الذي يدفعنا لإعادة النظر فيما نعتبره طبيعيا