فسحة رمضان.. الشاطر.. العربي حارس العمارة (الحلقة 9 )

فسحة رمضان.. الشاطر.. العربي حارس العمارة (الحلقة 9 )

عبد الكريم جبراوي

شهدت المدينة حركة عمرانية واسعة، فتمددت كتلها الإسمنتية على شكل عمارات في الأغلب الأعم تتراوح طوابقها بين الثلاثة والخمسة طوابق، وسرعان ما صارت الكثافة السكانية فيها مرتفعة، وأحدثت فيها بعض المرافق الحيوية وإن كانت لا تزال تشكو نقصا كبيرا فيها.

وكان العربي من العمال المياومين الذين اشتغلوا مع المقاول أثناء عملية البناء، ولما انتهى الورش صار يجلب النعناع ويبيعه أسفل العمارة ويساعد الناس في ركن سياراتهم إلى أن اقترح عليه الحاج سانديك العمارة العمل كحارس لها مقابل سكن بها وأجرة.

قبل العربي ذلك العرض على الفور، وكيف لا يقبله وهو يكتري حجرة صغيرة مع زوجته ومدخوله اليومي لا يسمن ويغني من جوع، فدبت فيه الحيوية والنشاط وكان مثالا للحارس اليقظ المساعد وكانت زوجته مثالا للمرأة الشغالة التي تساعد نسوة العمارة في أشغال البيوت وتتقاضى مقابل ذلك عمولات نقدية وعينية.

سارت الأمور على هذه الأحوال إلى أن باع الحاج سانديك العمارة شقته ورحل خارج أرض الوطن، وبقيت العمارة بدون سانديك، فكان العربي يطرق أبواب الشقق في اليوم الأول من كل شهر ليجمع منهم الأقساط الشهرية، فكان البعض يعطيه والبعض يماطله ليوم أو أيام أخر، والبعض الآخر يرفض الأداء جهارا بحجة أنه لا سانديك في العمارة ويتذرع بأن كل واحد يحرس شقته، والأدهى أنه في مرة من المرات دق باب شقة من شقق العمارة في الطابق الرابع، فسمع من امرأة في مقتبل العمر كلاما جعله يتسمر في مكانه مطأطأ الرأس:

  • هل تعرف أنك مقيم في العمارة؟ أي أن أجرتك الشهرية تتلخص في مقابل السكن الذي تقيم فيه أنت وزوجتك؟

أسرها العربي في نفسه، وظل ينظف باب العمارة ويفتح ويغلق مرآبها أسفل العمارة صباح ومساء كل يوم، ويكتفي بمن يعطيه مقابل الحراسة، كما اكترى دراجة ثلاثية العجلات صار يشتغل بها بين الحين والآخر وفي المناسبات التي يحتاج فيها الناس وسيلة نقل بسيطة، بالإضافة إلى نقل حمولة أو حمولتين في الصباح الباكر من سوق الجملة القريب نحو المحلات التجارية في المدينة.

ماتت زوجة العربي بعد مرض ألم بها ولم يمهلها كثيرا، فتغيرت حياة العربي رأسا على عقب: صار يسهر خارج البيت كثيرا ولا يولي اهتماما للعمارة، بل يكاد يقدم أية خدمة هناك لكثرة غيابه عنها، وابتلي بالخمر فأصبح لا يفارق رفاق سوء بإحدى الدور المهجورة قرب سوق الجملة، وأصبحت معاملته لسكان العمارة فجة غليظة لا سيما وأن أغلبيتهم مكترين جدد كلها سب وشتم في كل ليلة يعود فيها متأخرا من جلساته الخمرية، و كلما كان أمام العمارة ووقع بصره على أحدهم يركن سيارته إلا وقصده كالثور الهائج لا يتركه حتى يستخلص منه ما يعتبره واجبا شهريا، والويل كل الويل لمن يرفض الأداء من عربدته وشرور لسانه وتحديدا لما يكون مخمورا.

وفي منتصف ذات ليلة، كان العربي في حالة متقدمة من الخمر، وسمع صراخا في إحدى شقق الطابق الثالث من العمارة، فعزم على الصعود إليها خصوصا لما تيقن أن الصياح يصدر عن شقة مقيم جديد ظنا منه أنها المناسبة الأنسب للتواصل معه بشأن القسط الشهري.

وعند وصول العربي إلى باب الشقة وطرقها، فتح الباب رجل يتطاير الغضب من وجهه وصاح كمن عثر على شيء مفقود:

  • ها هو، ها هو هذا الحقير.

وبادر الرجل بلكمة قوية أصابت وجه العربي مباشرة، ثم ارتمى عليه وأمسكه من خناقه وجره إلى داخل الشقة، فتجمع عدد من سكان العمارة بعضهم يستطلع الخبر وبعضهم يحاول التدخل، لكن الرجل أصر على حضور رجال الشرطة الذين سرعان ما حضروا وأخرجوا العربي والدماء على وجهه فانتدبوا سيارة الإسعاف لحمله ورافقهم الرجل فيم تبعهم بعض سكان العمارة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *