الشاطر.. الحلقة 5 .. “حمار الحاج علي “
عبد الكريم جبراوي
كانت في ضيعة الحاج علي مجموعة متنوعة من الحيوانات، وكان من بينها حمار أسود عنيد جدا، كلما حاول الحاج ربطه إلى العربة يظل يدور في مكانه حتى لا يترك للحاج الفرصة لوضع اللجام في فمه، وكلما حاول أحد فك قيده واقتياده إلى الإصطبل أشهر فكيه في وجهه أو صار يقفز من موضع إلى آخر ويركل.
وذات يوم، كانت زوجة الحاج علي تحاول إخراج الفرس من الإصطبل، فباغثها الحمار بركلة قوية مرت محاذية بعض الشيء لقدمها، حمدت الله على نجاتها ووبخت نفسها كثيرا لأنها تعلم جيدا “عدوانية” الحمار، ولم تضمر ذلك في نفسها بل أخبرت به زوجها عند تناول وجبة الغذاء:
- إن ذلك الحمار صار وبالا علينا، لا شك أنه يوما ما سوف يتسبب لنا في مصيبة.
- ماذا تراه فعل اليوم؟ هل اقتلع الوتد أو فك رباطه وهرب؟
- ليته فعل ذلك لكان أهون، لقد حالت الألطاف الإلهية دون أن يصيبني بركلة قوية
- إنه يزداد شراسة يوما بعد يوم، وقد حيرني أمره.
- عليك أن تبيعه في القريب العاجل، لن ننتظر حتى يصيب أحدنا بمكروه.
- حسنا، سأبيعه في السوق المقبل وأشتري عوضه حمارا آخر.
- لا بد أن يرافقك ابن أختي فهو يجيد اختيار الدواب، وخير دليل الحصان الذي اشتراه مؤخرا وبثمن رخيص جدا.
- ليس لهذه الدرجة، فأنا كذلك أجيد الاختيار، سوف أربطه لوحده وأعتني به كثيرا لعل ثمنه يكون مرتفعا ويساعدنا على اقتناء حمار أجود منه.
ربط الحاج علي حماره مقابل شرفة الإصطبل، وصار يناوله الحشيش والعلف بكمية كبيرة على مدى الأيام التي تسبق السوق، حتى إذا حان اليوم ما قبلها أوصى صاحب الشاحنة أن يأتي عنده قبل الفجر لحمل الحمار إلى السوق.
وصل الحاج علي بحماره إلى السوق، فاندهش كثيرا لتصرفات الحمار التي جعلت الناس يتهافتون على شرائه، فقد كان لطيفا ولم يتصرف أي تصرف من تصرفاته العدوانية المعهودة، وظل أحد المتاجرين في الحمير لصيقا بالحاج يساومه في الحمار حتى باعه إياه، وذهب إلى المقهى ليشرب كأس شاي ويأكل بعض الإسفنج في انتظار أن يصبح النهار ليتجول في الرحبة ويختار حمارا آخر يشتريه للضيعة.
انقشع الظلام فنهض الحاج علي ودخل إلى الرحبة يمني نفسه بحمار وديع لا يؤذي، ووقع نظره على واحد يمسكه صاحبه في أقصى الرحبة، فاقترب منه ومرر يده فوق ظهره وهو يسأل صاحبه:
- كم عمر هذا الحمار؟ وكم ثمنه؟
- أربع سنوات، وثمنه معقول جدا، سأبيعه لك بثلاثة آلاف درهم
- هل ترضيك ألفا درهم؟
- لا، هذا ليس ثمن ما أكله من شعير وبرسيم
- لنجعلها ألفين ومائة درهم
وتواترت الزيادة من طرف الحاج علي، والنقصان من طرف البائع، حتى اتفق الطرفان على ثمن ألفين وخمسمائة درهم، حينها أدى الحاج علي الثمن واقتاد الحمار إلى خارج الرحبة يبحث عن صاحب الشاحنة الذي نقله إلى السوق، غير أن أحدهم أخبره بأنه قد ملأ الشاحنة بقطيع من الغنم وخرج من السوق، وهو ما جعل الحاج علي يبحث عن وسيلة أخرى لنقل الحمار إلى الضيعة.
وبينما هو واقف ينتظر، إذا برجل يطل برأسه من خلف سور الرحبة ويسأله إن كان بحاجة لوسيلة نقل، فأجابه بالإيجاب حيث حدد له الوجهة وطلب منه انتظاره لحين إحضار بعض الحاجيات من السوق ليرافقه.
تبضع الحاج علي وتسوق ما يحتاجه البيت، وعاد ليركب مع صاحب الشاحنة في طريق العودة إلى الضيعة، ولما وصل استقبلته زوجته باستغراب كبير على محياها:
- ألم تبع الحمار؟
- بلى لقد بعته واشتريت هذا مكانه.
- إنه حمارنا، أنا متأكدة من أنه هو.
- هل فقدت عقلك أم أن حس التمييز لم يعد لديك؟
- أقسم أنه هو، أطلق عنانه لنرى إن كان سيتوجه إلى مربطه أم لا؟
أطلق الحاج علي الحمار، فإذا به يقصد مكانه الذي اعتاد أن يربط فيه أمام دهشة واستغراب الحاج علي الذي شعر متأخرا بأنه كان ضحية حيلة انطلت عليه.

