فقه الرحيل (3)
الأستاذ/ محمد ابراهيم الزموري
باحث في الشئون القانونية و السياسية
ها أنا ذا أكتب لك ثانية، لأنني وحيد، أكتب حتى لا يثملني هذا السكون الكريه، أكتب وفي داخلي نيازك نارية من الغضب، وحتى لا أتهور، أكتب لك، فأنت هدوئي وسكينتي وذلك الخفقان الذي يريح أوردة قلبي وشراييني،لا يوجد موضوع مهم لأناقشه معك.
فلا شيء مهم ويستحق الكلام، هو مجرد بوح وكلمات مشردة تبحث عن متلقي وحيد، وهو أنت، أنت وفقط.
لا يعلم المرء كيف تكون حياته بدون صراخ وإنتفاضة للفكر والحواس، الحياة البليدة التي نحياها لا تعطينا فرصا كثيرة للإختيار، فغالبا ما يأتي إختيارنا بعد فوات الأوان، تدركين أن الزمن الرديء الذي نعيشه، قد قلب مفاهيمنا وغاياتنا وأوصد بالأقفال آمالنا وطموحاتنا، نعيش على ذكرى جميلة، حتى نتمكن من الإستمرار، نحلم حتى نخيط جراحنا المفتوحة على فوهة الفقد، ففي معظم الأحيان لا أجد معنى لأي شيء، فعلى هذا الكوكب الصغير نسير منذ ملايين السنين نحو العدم، نولد وسط الأيام، ونترعرع، ونجاهد، ونمرض، ونسبب الآلام للآخرين، ونصخب ونشيخ ونموت، نموت في حين يولد آخرون ليبدأ تكرار الملهاة العميقة من جديد.
ندور في دوامة، والأرض نفسها تدور، والقمر البليد يدور، والكل من حولنا وتحتنا وفوقنا يدور، فقط هي مشاعري تجاهك أنت وحدك لا تدور ولا تتغير، فأنت الثابث وسواك كله متغير.
يقول صديقي تشاك بولاينك بأنه ليس هناك شيء إسمه الفوضى، ليس هناك إلا الأنماط، أنماط فوق أنماط، أنماط تؤثر على أنماط أخرى، أنماط تخفيها أنماط ، أنماط داخل أنماط ، إذا إنتبهت جيدا ستجد أن التاريخ لا يفعل شيئا سوى تكرار نفسه، ما نقول أنه فوضى ليس إلا أنماطا لم نتعرف عليها بعد، ما نقول أنه عشوائي هو أنماط نعجز عن سبر اغوارها، ما لا نفهمه نقول إنه هراء، ما لا نستطيع قراءته نقول إنه كلام فارغ، ليس هناك إرادة حرة، ليس هناك متغيرات، ليس هناك سوى المحتوم، وليس هناك سوى مستقبل واحد، وليس لديك الخيار، الخبر السيء أننا لا نملك التحكم في أي شيء.
تدركين وقد زال عن صدري ذلك الضجر المريب الذي أصبح يكثر من زياراته لي، أنه لا توجد حقيقة، فالحلم وحده هو الشيء الحقيقي في حياة الإنسان.
أودعك وأقبلك، فالأيام تعلمنا أن الموت ليس أمرا محتملا فحسب، وإنما مريح أيضا.

