فسحة رمضان.. الشاطر.. كنز الغابة (الحلقة 18)
عبد الكريم جبراوي
كان الموسم موسم حصاد، وكان الحاج علي يدرس في البيدر ما جمعه من أكوام الزرع، لما جاء عنده رجل يركب بغلا، فناوله الحاج كومة زرع صدقة كما اعتاد الناس عليه مع كل ساع، غير أن هذا الساعي بعدما وضع الكومة في كيس داخل الجراب” الشواري” ترجل وربط بغله إلى جذع شجرة ثم اقترب من الحاج علي وهو يطلب منه أن يريحه بعض الوقت.
لم يتردد الحاج علي في قبول عرض الرجل، فسلمه حبل” التكيدة” والسوط وهو ينبهه إلى شراسة الزعواط وضرورة الاحتراس من ركلاته بين الفينة والأخرى، فخلع الرجل نعليه وشد عباءته إلى نطاقه وراح يدير عملية الدرس في البيدر، أما الحاج ذهب إلى ظل الشجرة وشرب الماء وهو ينظر إلى الرجل ويحمد الله أن بعث له من يساعده ولو مؤقتا في هذا الجو البالغ الحرارة.
أحضرت بنت الحاج طعام الغذاء، فنادى على الرجل ليريح الدواب ويقبل على الطعام، وأشار له بمكان الماء لغسل يديه ومنديل تنشيفهما، وجلسا يتناولان وجبة غذاء من كسكس باللحم والخضر المتنوعة، وأثناء الأكل تحدث الرجل على الغابة التي توجد في أقصى القرية وعن كنز ثمين بالقرب من نخلة هناك وحاجته لمن يساعده في استخراجه، وأبدع في وصف محتويات الكنز من الحلي والمجوهرات والياقوت والقطع الذهبية التي لا تقدر بثمن، كما شرح طريقة التقسيم بعد زكاته، وهو ما أسال لعاب الحاج علي وجعله يتفاعل بقوة مع حديث الرجل الذي علم فيما بعد أنه فقيه يحترف مسألة استخراج الدفائن والكنوز.
انتهيا من الأكل واستراحا لبعض الوقت دون إيقاف الحديث عن الكنز وما يحتاجه الفقيه لاستخراجه، وكان الحاج طيلة الوقت يبدي استعداده للذهاب معه على أساس أن يكونا هما الاثنين فقط وبدون الحاجة إلى ثالث لهما، وأتما يومهما على أن يكون الفقيه ضيفا للحاج علي ليومين اثنين يتم فيهما استطلاع المكان ومعاينته، وتخصيص اليوم الثالث لعملية استخراج الكنز.
أمضى الحاج علي والفقيه بعد ذلك يوميهما نهارا في تصفية ما تم درسه من الزرع لفصل الحب عن التبن وفي منتصف الليل يتسللان إلى الغابة حيث يبقى الحاج علي بمكان غير بعيد من النخلة بينما يقوم الفقيه بالتنقل في جنباتها لتحديد مكان الكنز والتهيؤ لعملية الحفر في اليوم المحدد.
وفي عشية اليوم الثالث استبق الفقيه إلى الغابة حيث بسط فراشه ليوهم من يراه بأنه عابر سبيل يبيت فيها ليلته، وفي الليل لحق به الحاج علي يحمل معه بعض لوازم الحفر، وجلسا يتحدثان حتى انتصف الليل فقام الحاج علي وابتعد قليلا ثم خلى سبيل حماره ليعود لوحده إلى البيت حتى يظن الناس أن الحاج قد عاد إلى بيته ورجع متسللا إلى حيث الفقيه.
بعدما تأكدا من أن الجميع قد خلد للنوم وأن كل حركة قد هدأت، حدد الفقيه مكان الحفر وطلب من الحاج أن يباشر العملية بحذر شديد لأن الكنز يوجد على بعد عمق قريب جدا، وجلس القرفصاء بجانب النخلة يتمتم ويعزم والحاج يحفر ولا حديث بينهما إلا رمزا بلغة الإشارة، وبعد أقل من نصف ساعة ارتطمت الفأس بحجرة فتلمسها الحاج وأشار عليه الفقيه أن يتحسس جنباتها وإزالتها ببطء، ففعل لتظهر أسفلها جرة ملفوفة في قطعة من وبر الجمال.
أمر الفقيه الحاج إشارة أن يترك الحفرة حتى يكمل تمائمه، فدار حولها ثلاث مرات قبل أن ينحني إلى الحفرة ويخرج الجرة منها ويطلب من الحاج إعادة التراب إلى مكانه، ثم حمل الفقيه الجرة وأخفاها في الشواري وطلب من الحاج أن يوقد النار في قطع من الفحم كانت في جرابه لتسخين ماء الوضوء لأداء صلاة الفجر قبل اقتسام الكنز.
استفاق الحاج علي بعد عصر اليوم الموالي على صوت كلب أحد الرعاة يوقظه من نومه العميق، فأفاق مذعورا يلتفت يمينا وشمالا يبحث عن الفقيه، وقام ينظر في كل اتجاه ومرة مرة ينحني ليستطلع اتجاه حوافر بغل الفقيه لكن غنم الراعي كانت قد جالت بالمكان ومحت كل أثر للحوافر.
أيقن الحاج أن الفقيه قد خدعه وأنه قد قام بتخديره بواسطة قطع الفحم واستحوذ على الكنز لوحده ثم رحل، فجمع لوازمه وقفل راجعا إلى بيته يجر أذيال الخيبة.

