فسحة رمضان.. الشاطر.. السرحان في المستوصف (الحلقة 15)
عبد الكريم جبراوي
استفاق السرحان من نومه في يوم ماطر، تناول فطوره وارتدى بذلته وخرج يقصد إحدى مواقع مصائده التي ألف نصب شراكه فيها لاصطياد المغفلين، وفي طريقه لفت نظره تجمهرا لعدد كبير من النسوة أمام باب مستوصف القرية الموصد في وجههم.
اقترب وحشر نفسه بين الجمع يستفسر، فعلم أنه يتعين الانتظار قليلا لأن عملية تعقيم المكان جارية، فجال ببصره عله يهتدي إلى ضحية سهلة المنال، وهدته غريزته لامرأة في مقتبل العمر تمسك بين ذراعيها رضيعا لا يسكت من البكاء، حيث دنا منها وسألها عما يشكو منه ابنها، مبديا لها إمكانية مساعدتها في تيسير مراجعة الطبيب حالما يصل.
تأخر الطبيب عن الحضور في موعد الزيارات، فتقدم السرحان من الممرض واندمج معه في حديث مطول خصوصا بعدما ناوله سيجارة، وفي كل مرة يرسل إشارة إلى أم الرضيع توحي لها بأنه يتجاذب معه الحديث بشأنها وشأن الرضيع، بينما كان حديثهما أصلا يتركز حول سبب تأخر الطبيب الذي كان يجري عملية جراحية لأحد المرضى بالمستشفى وحول أمور تتعلق بنزول المطر ونتائج ذلك على الموسم الفلاحي.
دخل الممرض يرتب أوراقه وأدوات اشتغال الطبيب ومجمل قاعة الفحص، كما انحنى السرحان بجوار السيدة يتعرف منها حالتها العائلية ومكان سكناها، وخاض معها كثيرا حول أسباب طلاقها وفراقها مع زوجها ومسألة التقاضي بينهما والنفقة، وبين الحين والأخر يضرب السرحان كفا بكف مظهرا أسفه وتأسفه على عدم احترام زوجها وتقديره للحياة الزوجية.
جاء الطبيب ودخل غرفة الفحص فسأل السرحان السيدة إن كانت تحمل معها بعض النقود ليسلمها إلى الممرض حتى يمكن تسبيقها عن بقية المرضى، فمدته بما كان في محفظتها البالية وأخذها ودق باب غرفة الاستقبال ثم ولجها وعاد ليطلب منها مناولته الرضيع وفسح المكان له للجلوس بجوارها وتوصيتها للقول بكونه أب الرضيع لا سيما بعدما عرف أنها مطلقة.
جلس السرحان على الكرسي الخشبي الطويل وهو يمسك الرضيع بين ذراعيه في حالة انتظار دور الولوج قاعة الفحص، بينما نادى الممرض رجلا كهلا كان لا يستطيع الوقوف دون إسناد من زوجته التي كانت ترافقه وأدخله عند الطبيب، وأوضح الممرض للجميع أن الرجل الكهل سيتم تسبيقه لأنه يعتبر حالة مستعجلة، وكذلك إحدى السيدات التي تعاني من مرض الربو، قبل أن يوجه لمن يتبعهما بالإشارة إلى أم الرضيع التي كانت تحمل أصلا الرقم 3 كرقم ترتيبي.
وبينما السرحان جالسا يمسك بالرضيع إلى جوار السيدة، إذا بامرأة طويلة عريضة تدخل قاعة الانتظار وتلقي التحية على الجميع، وبينما كانت تهم بالجلوس على كرسي متهالك قبالة قاعة الفحص، توجهت بقوة هائجة نحو السرحان وأخذت تلطمه بعنف على وجهه لطمة تلو الأخرى وهو لا يستطيع تفادي اللطمات لأن يديه تمسكان الرضيع الذي كانت أمه تولول وتصيح وتحاول استخلاصه منه بكل ما أوتيت من قوة رغم تعرضها هي الأخرى لبعض اللطمات.
كانت المرأة الهائجة تصيح وتسب السرحان بأقدح النعوت وهو لا يكاد يجيب، وعلا الصياح والعويل والولولة في المكان، كل الحاضرين يحاول فك الاشتباك وإنقاذ الرضيع، وحتى الممرض والطبيب يتدخلان لتهدئة الوضع وهو ما استغله السرحان ليفر من المكان، في حين جلست المرأة الهائجة بعد هدوء روعها على كرسي وشربت بعض الماء قبل أن تشرع في توضيح أنها أم زوجته الثانية التي لها منه أربعة أبناء وأنه يغيب عنهم ليومين أو ثلاثة ويتركهم بلا زاد ولا طعام، ولما شرحت لها أم الرضيع قصتها معه هذا الصباح وأنها لا علاقة بينهما ولا تعرفه أصلا طلبت منها المرأة الصفح عما بدر منها تجاهها.

