فسحة رمضان.. الشاطر.. التاجر الغريب (الحلقة 12)

فسحة رمضان.. الشاطر.. التاجر الغريب (الحلقة 12)

جبراوي عبد الكريم

كان في قديم الزمان حاكم يحكم بلادا شاسعة الأرجاء، آتاها الله من كل الخيرات والثمرات، أناسها يشتغلون بتربية المواشي والدواب وصيد الأسماك وزراعة الحبوب والخضروات والفواكه الشهية.

وكان الحاكم شغوفا بصيد الطرائد في الغابات وفي المروج الخضراء، يخرج كل أسبوع محاطا بالخدم والحشم رفقة بعض مقربيه، فتنصب له المضارب على تلة تطل على ساحات الصيد ويطبخ له أشهى وألذ الطعام الذي يقدم تحت إيقاع وصلات من الغناء والرقص.

وأثناء إحدى خرجاته للصيد، استغل بضعة من الخارجين عن القانون غيابه عن المدينة فسرقوا ونهبوا وعاثوا فيها فسادا في ليلة ظلماء، وحولوا أمن المدينة إلى رعب وخوف وهلع، ثم هربوا وغادروا المدينة بما تمكنت أيديهم منه.

تناهى الخبر إلى علم الحاكم، فجن جنونه، وقفل راجعا إلى المدينة، وكان كلما وجد في طريقه شخصا استوقفه مرافقوه وأحضروه إلى الحاكم:

  • منذ متى وأنت هنا؟
  • منذ كذا وكذا
  • هل مرت جماعة ما من هذا المكان أو بالقرب منه؟

    فكانت الأجوبة في معظمها تجمع على الرد بالنفي إلا عجوزا كان يرعى غنما له قرب ضفة أحد الأنهار أفاد بأن مجموعة من سبعة أفراد على خيولهم هجموا عليه واختطفوا منه خروفا ثم اجتازوا الوادي إلى الضفة الأخرى، فما كان من الحاكم إلا أن وجه قائد جيشه بتعقب آثارهم رفقة بعض الجنود والإتيان بهم مكبلين.

وصل الحاكم إلى المدينة فاستقبله سكانها بالشكوى مما لحقهم في غيابه وكانوا كلهم يؤكدون أن الفاعلين غرباء عن المدينة تسللوا إليها خلسة في تلك الليلة المظلمة المشؤومة وفعلوا فعلتهم الشنيعة ثم تواروا عن الأنظار وأنه لولا تصدي الحرس لهم بمعية الساكنة لكانت الخسائر أكبر وأفظع.

وحتى يستتب الأمن وتعود الطمأنينة إلى أرجاء المدينة، أمر الحاكم أن تشدد الحراسة والمراقبة على كل مداخلها، وأن يحظر التجول ليلا وعدم التهاون مع كل من يخرق ذلك، حيث كان البراح لا يفتأ يتجول في أرجاء المدينة مناديا:

  • كل سكان المدينة ملزمون بحظر التجول الليلي، ولا يلوم من خرق ذلك إلا نفسه.

بعد يومين، عاد قائد الجيش والجنود الذي كانوا معه، وقدموا ما استجمعوه من معلومات إلى الحاكم عن الجناة الذين غادروا البلد على متن قارب استولوا عليه في إحدى مراسي الثغر الساحلي دون التعرف على هوياتهم أو كيف وصلوا إلى المدينة.  

وفي أحد الأيام، قدم إلى المدينة تاجر غريب باع ما جلبه معه لتجارها، بعضهم أدى ثمن البضاعة في الحين، وبعضهم ضرب معه موعدا لاحقا للأداء، وحينما أراد التاجر الرحيل من المدينة، كان عليه أن يستخلص كل ما بقي بذمة التجار، فخرج في إحدى الليالي يطرق أبواب بعض ممن يدينون له، لكن الحرس استوقفوه واقتادوه إلى الحاكم الذي أمر بوضعه رهن الاعتقال إلى غاية الصبح.

أصبح الصبح وانتصف النهار فجيء بالتاجر إلى مجلس الحاكم الذي جلس في أقصى قاعة المجلس محاطا بحاشيته، فبادره بالسؤال:

  • ما الذي حملك على خرق حظر التجول في المدينة؟
  • لقد كان بعض التجار يتهربون من أداء ما بذمتهم فقررت أن أباغثهم في بيوتهم.
  • ولكن من الأكيد أنك سمعت البراح ينادي ويحذر الناس من مغبة حظر التجول.
  • نعم سيدي، ولكنه كان يوجه الأمر والتحذير لسكان المدينة، وأنا لست من سكانها، بل مقيم فيها لأقل من بضعة أيام، وقد قلت لك سيدي سبب خروجي في الليل.

حسنا، أعذارك في الحقيقة مقبولة، ولكن العبرة لمن لا يعتبر لا محيد عنها، خذوه، وليكن رسالة إلى كل من سولت له نفسه عدم الامثال للأوامر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *