ملاحة زيمة بالشماعية من قلعة للإنتاج إلى أطلال تسكنها وعود المجالس

ملاحة زيمة بالشماعية من قلعة للإنتاج إلى أطلال تسكنها وعود المجالس
نور الدين الكيحل

 

تظل ملاحة زيمة بمنطقة الشماعية واحدة من الشواهد التاريخية والاقتصادية التي طبعت ذاكرة إقليم اليوسفية وعموم منطقة أحمر لعقود طويلة.

هذه المنشأة التي كانت بالأمس القريب تنبض بالحياة، وتُشكل عصبًا اقتصاديًا ومصدر رزق لعشرات العائلات، تحولت اليوم بفعل فاعل إلى مساحة من الخراب والانتظار، وسط تساؤلات حارقة يطرحها الرأي العام المحلي حول مصير مشروع هيكلي وُعدت به الساكنة ولم يرَ النور بعد.

​نهاية الإنتاج وتسريح العمال:

​في مرحلة ازدهارها، لم تكن ملاحة زيمة مجرد موقع طبيعي لاستخراج الملح، بل كانت مؤسسة إنتاجية حقيقية تُساهم في الرواج التجاري وتوفر فرص شغل قارة وموسمية لأبناء المنطقة.

غير أن عجلة الإنتاج هذه توقفت بشكل مفاجئ، وتوقف العمل بالملاحة وتسريح العمال بها.

​وجاءت عملية تصفية مستحقات العمال ودفع حساباتهم المالية بعد تدخل مباشر من الجهات المسؤولة لإنهاء الارتباط التعاقدي مع الشركة المشغلة حينها، مما شكل صدمة اجتماعية أولى تمثلت في قطع أرزاق العديد من الأسر التي كانت تعتمد بشكل كامل على هذا المرفق الاقتصادي.

​معول الهدم بدعوى “الدراسة والمشروع”:

​ولم تقف حدود الفاجعة التراثية والاقتصادية عند تسريح اليد العاملة، بل امتدت لتطال البنية التحتية للموقع.

 ففي خطوة متسارعة، أقدمت السلطات المحلية على هدم جميع البنايات القائمة بالملاحة، مبررة هذا الإجراء بوجود مخطط تنموي جديد لإعادة تأهيل الموقع.

​وحسب الخطاب الرسمي السائد آنذاك، فإن الهدم كان خطوة تمهيدية لإطلاق مشروع استثماري واعد، بناءً على دراسة تقنية وهندسية أنجزها المجلس الجماعي لإعطاء الملاحة نَفَسًا جديدًا يتوافق مع المؤهلات السياحية والبيئية للمنطقة. غير أن هدم المباني الإدارية والمرافق التابعة للملاحة، والتي كانت تشكل جزءًا من الذاكرة البصرية والمادية للمكان، تم دون بديل جاهز على أرض الواقع.

​الواقع المر: خراب مستمر ووعود حبر على ورق:

​ وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، تشير المعطيات الميدانية إلى أن لا شيء تغير في ملاحة زيمة سوى تراكم الخراب. الوعود المخططة في دراسات المجلس الجماعي ظلت حبرًا على ورق، ولم تشهد المنطقة أي انطلاقة فعلية للمشروع الموعود، مما يضع شعارات “التنمية المحلية” محط تساؤل ونقد من طرف المتتبعين والساكنة التي عاينت تحول حركية الإنتاج إلى صمت مطبق ومبانٍ مهدمة.

​لوحة طبيعية حزينة:

وسط هذا المشهد القاتم من الإهمال والوعود المؤجلة، وحدهما الوفاء والطبيعة يرفضان مغادرة المكان. فما زالت طيور النحام الوردي (الفلامينغو) حريصة على مواعيدها السنوية، تزور بحيرة الملاحة كما دأبت دائمًا، محلقة فوق الأطلال لتضفي مسحة من الجمال الطبيعي المقاوم على واقع يكسوه الخراب والانتظار.

​يبقى ملف ملاحة زيمة بالشماعية مفتوحًا على مطالب ملحة بضرورة كشف مصير الدراسة التي تذرع بها المجلس الجماعي، والتعجيل بإنقاذ هذا الموقع التاريخي والبيئي من التهميش، وتحويله إلى مشروع حقيقي يعيد للمنطقة هيبتها الاقتصادية ويحمي نسيجها الإيكولوجي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *