مفهوم الاعتراف تحت أضواء تشارلز تايلور.. وأكسل هونيث

مفهوم الاعتراف تحت أضواء تشارلز تايلور.. وأكسل هونيث
أحمد المعطاوي

-الجزء الرابع-

2. أكسيل هونيث، وبناء براديغم الإعتراف:

لقد التزم أكسيل هونيث في بداية تنظيره لبراديغم الاعتراف بفلسفة هيجل الشاب، نائيا بنفسه عن شتى دروب مقولاته المجردة الغارقة في الميتافيزيقا، والابتعاد عن طابعها النسقي المغلق ، كمفهوم الروح المطلق، والمغترب، والجوهر الكلي.

إن أهمية هيجل بالنسبة لأكسل هونيث تكمن في اعتباره بأنه أول فيلسوف غربي تعمق في دراسة العلاقات الاجتماعية باعتبارها قطعا علاقات بين ذوات تسعى لإحقاق الاعتراف المتبادل، بخلاف ما كان شائعا في الفكر الفلسفي الكلاسيكي الغربي مع هوبز ومكيافيلي، وهو تقليد عاشت به الذهنية الأوروبية معتقدة بأن التعالق التذاوتي هو في الأساس في صراع مستميت وأن الجميع في حرب الكل ضد الكل، وأن الكيانات الحية تسعى نحو الصراع من أجل البقاء و هو صراع تتناقض فيه الرغبات والحاجات البيولوجية الطبيعية، صحيح أن هيجل استرجع براديغم الصراع السوسيولوجي وفقا لما طرحه ميكيافيلي وتوماس هوبز في الفكر السياسي الغربي، ولكن ضمن المنحى التنظيري المعرفي فقط.

صحح أكسيل هونيث هذا التصور معتبرا بأن هذا الصراع لا يعبر عن صراع كوني شمولي، وإنما هو صراع ذو طابع عملي، كونه الوسيلة التي تبحث عنها الذات من خلال اعتراف الغير بهويتها الخاصة والمتميزة، ومن ثمة يمكن القول بأن هذا الصراع يعبر عن عامل أخلاقي ضمن مجموع الحياة الاجتماعية.

ثم بعد ذلك، انفتح هونيث على أعمال الأمريكي جورج هربرت ميد، هذا الأخير صاحب نظرية التفاعلية الرمزية، وهي نظرية تعمد إلى تحليل الأنساق السوسيولوجية، وهي تبدأ بالأفراد وسلوكهم كمدخل لفهم النسق الاجتماعي، فأفعال الأفراد تصبح ثابتة لتشكل بنية الأدوار، ويعتقد هونيث بأن ميد هو أنموذج الأداة الفكرية المناسبة لإعادة بناء حدوس هيجل الشاب، فيما يخص أهمية التذاوت في إطار نظري ما بعد ميتافيزيقي، كما يعتبر هربرت ميد بأنه لا قدرة على تطوير وعينا لذواتنا وإحقاق ماهية هوياتنا من دون أن نقوم بالاعتراف بالآخر، فهذا الأخير يساعدنا بصورة عميقة على اكتناه ذاتي، وإذا أردنا أن نختبر مجتمع من المجتمعات يلزمنا أن نربطه بأشكال الاعتراف المتبادل، فكلما ساهمنا بقوة في إحقاق الاعتراف المتبادل، كلما تمكنا من خلق فضاء عمومي مفتوح وعام لا يخضع للقيد أو الإكراه كما لا يبعث على الخوف و التوجس.

3. أشكال الاعتراف وضدياتها:

1.3. أشكال الاعتراف:

يعتقد الفيلسوف أكسيل هونيث أن الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حد للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة، ومن ثمة يستطيع الأفراد تحقيق هوياتهم ضمن علاقات تذاوتية مرهون بإحقاق ثلاث نماذج معيارية متميزة للاعتراف وهي:

أ. الحب: يعرف أكسيل هونيث الحب بأنه رابطة من خلالها يحقق الفرد الثقة في النفس والتي لولاها ما استطاع المشاركة بصورة مستقلة في الحياة العمومية.

ونفهم من كلامه ههنا أن المحبة تعتبر بالنسبة لكل شخص شرطا أساسيا، وجوهريا للمشاركة في الحياة الاجتماعية. ويؤكد هونيث بأن التجربة التفاعلية بين الذوات للحب تجعلهم يشعرون بالأمان العاطفي ومن هنا بالذات يبدأ تقدير الذات و احترامها ، فالحب هو جوهر بناء الحياة الأخلاقية الخلاقة.

ب. الحق: يمثل الحق البراديغم التذاوتي الثاني للاعتراف و لكن على مستوى القانون، والفرد يكتسب من خلال خبرة الاعتراف القانوني إمكانية حذق أفعاله كتمظهر له، وتجل محترم من طرف جميع البشر، ولما يمكن الشخص من حقوقه المشروعة كاملة يشعر في باطن نفسه باحترام ذاته كونه جدير باحترام ذوات الآخرين، وازداد عمق هذا الاحترام مع ظهور ما يسمى بالحقوق الكونية الشاملة، لهذا يمكن اعتبار تمكين الناس من حقوقهم الفردية يجعل الذات قادرة على التعبير عن حاجاتها السوسيولوجية.

ج. التضامن: التضامن السوسيولوجي هو الشكل الثالث من أشكال الاعتراف، والكلمة تعني العلاقة التفاعلية التي تهتم فيها الذوات بالمسار الشخصي للآخرين المشاركين لهم في التفاعل، ولقد صار التضامن، في الأزمنة الحديثة، مقترنا بالتقدير المتماثل بين الذوات، ويعني التقدير ههنا التناظر الذي يتم على ضوء القيم التي تعطي مؤهلات، وإمكانات الآخرين دورا مهما.

وتقوم نظرية الاعتراف عند هونيث على فكرة أساسية وهي أن تحقيق الذات مشروط بالاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات، لأن صورة الفرد عن ذاته تتكون من خلال تفاعله مع الغير.

لهذا ميز هونيث بين ثلاثة أشكال من الاعتراف (الحب، الحق، التضامن) متناسبة على التوالي مع ثلاث نماذج من تحقيق الذات(الثقة في الذات، احترام الذات، تقدير الذات)، ومنه، عامل الحب يعني الثقة بالنفس، والحق من شأنه توفير الحقوق الفردية والجماعية، والتضامن عند تطبيقه يعني التأطير الأخلاقي والقيمي للبراكسيس الاجتماعي.
يتبع … .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *