مازاكان أو الجديدة -الجزء الثاني-

مازاكان أو الجديدة -الجزء الثاني-

أحمد المعطاوي

مر الوقت الطيب مرور النسيم…..

 بسرعة البرق، وحان أوان الغذاء، فإلى مقاهي الأسماك المنتشرة كان اللجوء بلا تردد، ثم عدنا إلى مقهى كنت أفضله قبل معرفتي بنرجس مفتوح على البحر الباسط أمواجه، المستقبل زواره الذين حجوا إليه من كل فج عميق بكرم ضيافة..

صفت لنا الأوقات وتشعبت الأحاديث حتى بعيد العصر، فقفلنا راجعين
يتوقف إدريس عن الحكي، ينفث دخان سيجاره إلى أسفل كأنه أنهكه الحكي أو استرجاع ما عاش.. غير من جلسته وارتشف رشفة من فنجان قهوته السوداء الثقيلة، ثم سحب نفسا آخر، ونفث الدخان هذه المرة إلى الأعلى ثم قال ما معناه أنه عندما أراد توديعها إلى لقاء آخر بالطبع قريب، قبلته نرجس على شفتيه، قبلته قبلة طويلة، ساخنة كالصيف، لذيذة كالحب، مشرقة كالشمس في الضحى والليل إذا سجى، قبلته كأنها تودعه، فشعورها كان يدرك أنها لن تراه بعد الآن .. قالت ضاحكة لتخفي دمعة حزن فرت هاربة من إحدى عينيها، عينيها اللتين كغابة حنان وسحر يهدده افتتان في عيون إدريس، أنت لا تعمل كأستاذ.. وإن يكن فالأمر اليوم سيان.. تساؤلها جعل إدريس يتعجب ويتساءل: سيان؟ كيف سيان؟

دلف الجواب مع نرجس إلى صالون سيارة الأجرة الأسود، وتحرك إلى الأمام بتحرك عجلات السيارة إلى الأمام، فودعت نرجس خيال إدريس المنعكس على مرآة الجانب الأيمن للسيارة بأناملها اليمنى، في حين كانت الأنامل اليسرى منشغلة في منع دمع الوداع من الاسترسال.. انمحت السيارة في ظلام الطريق الضعيفة الإضاءة، حتى انتهت كنقطة في غمضة عين، ووقف إدريس متدثرا بظل السؤال، ضئيلا وقف وأعزل تحت سماء قدر الوداع الذي لم يفهمه بعد من خلال كلمة “سيان”.. ثم بعد حين، اقتفى آثار عجلات السيارة إلى حين، ثم غير إلى الجانب الآخر من الطريق.. فهزني تحنان لإدريس الذي بدا شقيا تعيسا، وهو يحكي ما يحكي، فسألت لعلي أنقذ هذا الغريق أمامي مما تقمصه، سألت عن هل فعلا كما يقول الناس أن انقطاع الممارس لرياضة كمال الأجسام عنها يعود به إلى الحال التي كان عليها قبل أن يدخل
بنصف التفاتة إلي التفت، وبنصف انتباه أجاب:

ليس دخول الحمام كالخروج منه، ليس حالك قبل قراءة كتاب كحالك بعد القراءة، وإن بدا لك ما بدا أنك أنت أنت
فكررت وراء الغارق في الوجد، وأنا غارق في الضحك: وأنت وأنت وأنت..لبغيتي، مستحضرا إحدى الأغنيات الشعبية
فرمقني بعينين غائرتين تسبحان وسط غمامة من دخان: “عندما ترى شخص يضحك كثيرا وعلى شئ شبه تافه.. فـأعلم أنه حزين” ، فهل أنت أنت حزين
أجبت دون تردد:

وإني أراك كثير النوم منذ زمن، وإنه يقول طب النفس: “عندما ترى شخص ينام أكثر من نصف يومه.. فأعلم أنه: يتألم” فهل أنت تتألم.. فغرقنا معا في هستيريا من الضحك.. وإن طب النفس يقول أيضا: إن الضحك يشفي الفكر.. فماذا يشفي الشعور يا ترى سألت فقط وسط تلك الهستيريا..

 فقال إدريس: يا شاعر أعرض عن هذا، وأستغفر لضحكك، فقلت: وأنت أنت..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *