لغات القرآن: اللغة واللهجة والفرق بينهما: الحلقة الثالثة

لغات القرآن: اللغة واللهجة والفرق بينهما: الحلقة الثالثة

ذ. عبد الهادي الدحاني جامعة الحسن الثاني

اللغة واللهجة والفرق بينهما:

اللهجة قد تعني اللهجة، واللهجات العربية ليست بمعنى العاميات في عرفنا اليوم، بل اللهجات هي لغات مثل لغة التسهيل أو لغة الهمز، ومثل لغة الفتح أو لغة الإمالة، فهذه اللغات أو اللهجات وما شاكلها ليست من العامية كما هي لهجات الأقطار العربية اليوم، وإنما هي مستويات لغوية لا تخرج من الفصاحة إلى العامية.

ويعتبر القرآن الكريم بتعدد قراءاته والشعر الجاهلي والإسلامي مصدراً شاملاً وغنياً للهجات العربية التي دخلت العربية الفصحى وصارت جزءاً منها، يُقرأ بها القرآن إلى يوم الساعة، كما كان يُقرأ بها الشعر العربي، بل إن القرآن بقراءاته يمثل حقيقة الواقع اللغوي الذي كان مستعملاً قبل الإسلام.

والفرق بين اللغة واللهجة هو أن اللغة عامة واللهجة خاصة، فاللهجة هي مجموعة من الصفات والخصائص اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة وليست عامة، والعلاقة بينهما وبين اللغة هي علاقة العام بالخاص. واللغة تضم مجموعة من اللهجات، لكل لهجة منها ما يميّزها عن غيرها، وجميع هذه اللهجات المنضوية تحت اللغة العامة تشترك في مجموع من الصفات اللغوية والخصائص التعبيرية والكلامية، وهي بذلك تؤلف ثروة لغوية تعود إلى اللغة العامة أو اللغة الأم وتجعلها مستقلة عن غيرها من اللغات.

وكمثال على ما ذكرت ننظر في واقعنا اللغوي المغربي، فنجد على سبيل المثال “التريفيت” تستعمل مفردات عربية، و”التشلحيت” تستعمل كذلك كلمات عربية، وإذا أخذنا أي لهجة من اللهجات المغربية سنجدها تتضمن قاموساً عربياً واضحاً. وقد يقول قائل: إن في هذه اللهجات مفردات غير عربية كالفرنسية والاسبانية والانجليزية، وهذا صحيح، فكلمات مثل “بلوك، وموطور، ودجاكيت، وكشّينة، وكوزينة، ورَيّط، ودِمار، وسطوب…”، كلها تدل على لغة مختلطة تكونت منها اللهجة الدارجة، وهذه الدارجة أو العامية نفسها تضمّ مفردات عربية وأخرى أجنبية، لكنها تنتمي جميعاً إلى أناس لسانهم الرسميّ عربيّ، ولذلك فاللغة الغالبة هي العربية، ومعها لغات أخرى يتواصل بها أهلها كما يتواصلون بالعربية في الغالب.

 ولا يصلّون ولا يقرأون القرآن إلا بالعربية، وقد يتعبّدون الله ويفسّرون كتابه ويتدارسونه ويفهمونه بغير العربية، أي بلغاتهم الخاصّة، وهذا هو السرّ من حكمة الله تعالى في اختلاف اللغات واللهجات الذي هو آية من آياته المعجزة الدالّة على وحدانيته وربوبيته، قال الله تعالى: (وَمِن آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ( [سورة الروم: آية 22]، فكما أن من آيات الله خلق السموات والارض، كذلك من آياته اختلاف الألسنة، أي اللغات واللهجات.

ومن المعلوم أنني لا أتطرق إلى الفرق بين اللهجة واللغة من حيث تفاصيل الخلاف بينهما في الأصوات والصرف والتركيب والمعجم والدلالة، ولا من حيث التطور التاريخي، وما يترتب على ذلك من عوامل كالعوامل الاجتماعية والثقافية والجغرافية والسياسية وغيرها، بل إن الغرض هو الوصول إلى أن القرآن الكريم قد تعددت قراءاته تبعاً لاختلاف لهجات العرب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث لقبيلة دون أخرى، إنما بعث للناس كافة، بل أرسل إلى العالمين.

وما الاسلام إلا دين يسر لا عسر فيه، وقد أبيح للعرب من الرّخص في تلقّيه ما لو رجع الواحد منا إلى تفسير العلماء لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “أنزل القرآن على سبعة أحرف”، لوجد ما ضمنه هذا الدين العظيم من رفع المشقة ودفع الحرج والعسر، فالمسلم أياّ كانت لهجته وأياَّ كانت لغته، بل وأياًّ كان لسانه، باستطاعته أن يقرأ القرآن بالقدر الذي يقدر عليه وبالقدر الذي تعوّدته عضلات نطقه، ولو كان ذلك بالترجمة في غير الصلاة، فإن الاسلام يعتبر ذلك منه اجتهاداً يؤجر عليه. ومن ذلك حديث عائشة رضي اللَّه عنها قالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُو ماهِرٌ بِهِ معَ السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يقرَأُ القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُو عليهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْران”. متّفقٌ عليه.

وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكر أويحظر أحد على أحد قراءة القرآن بلغته أو لهجته ما لم تغير المعنى أو تخرح عمّا صحّ من القراءة، وحديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم رضي الله عنهما خير دليل على ذلك عندما احتكما إليه في شأن اختلافها في قراءة القرآن.

يعتبر حديث الأحرف السبعة من الأحاديث التي أسست لتعدد القراءات القرآنية مراعاة لتعدد لغات العرب، وفي ذلك دلالة على تيسير القرآن للذكر، لأن سبب ورود الحديث نازع إلى  التخفيف ورفع الكلفة ودفع الحرج عن الناس. قال ابن قتيبة: “ولو أراد كل فريق من هؤلاء أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفاً في الحركات كتيسيره عليهم في الدين”. [النشر في القراءات العشر: 1/22-23].

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *