كورنيش عين السبع عزيز كان.. عزيز رحل
أحمد المعطاوي
إنا لله وإنا إليه راجعون.. ما كان يسمى بكورنيش عين السبع البيضاء والذي يعرف بشاطىء السعادة في ذمة الله
إنه إبن البحر المحيط.. كان للناس عالما ناعما يدعو إليه بسعة وكرم صدر.. ويوفر كل الضيافة المبتغاة، باذلا قصارى ما يملك من متع وجمال للناس المتواضعين الذي يقبلون عليه من كل الجهات
كان عالما فغطي فانتهى فضاع، ليس كما ضاع عقد بعنق حسناء، بل ضاع بعنف شبه العقول التي لم يستوطن الجمال يوما أيامها لترى وجوده الجميل..فصبر جميل.. ضاع فأصاب المدينة حزن عميق من تلك الجهة التي منها ضاع أو إليها خرج ولا عاد
وجوده الذي كان يغذي من زاره، بالليل أو بالنهار، النظر ويشفي جراح الأرواح التي تأتي تتأمله، وتشكو بثها وحزنها إليه.. فتسكن المسكينة بأزرق ماءه وثبج الموج الذي يرقص على إيقاع الرياح التي توشوش منه البياض وترسم على صفحاته ما يشبه الرياض في العين والنفس
إنه كان يفتح بابا للرزق جميل.. إنه كان كعصا تهش بها المقاهي هناك على زبائنها ويتكىء عليها بائعو الأسماك وباعة آخرون وكان لآخرين فيه مآرب أخرى
إنه كان يهون العناء والتعب على من يشق عليه الذهاب إلى شاطيء عين الذئاب وغلاء عين الذئاب، كان كنسيم لطيف في يوم حار من أيام غشت الحارة، تحتضنك بحنان وحرارة مياهه الباردة ورماله الذهب كأم تحتضن ولدها الذي عاد بعد غياب طويل
كان توأما لشاطيء النحلة فانتهى من الهالكين لحاجة في نفس من ذائقته الجميلة عليلة أو ليس بها أدنى حياة، لحاجة في نفسها قضتها فقضت على جمال وفسحة أمل كان يمثلها كورنيش عين السبع في نفوس زواره
لو مررت من هناك الآن لوجدت في وجهك ليس ذلك المنظر الأزرق والمنساب كخصلات فاتنة بل تجد جدارا اسمنتيا عازلا، وإذ تقف أدناه وتتطلع أعلى تحس أنك على أرض سجن وتتطلع إلى الحرية.. الحرية التي بلون المياه الزرقاء، الحرية التي كنت تحسها من قبل وأنت ترنو نحو أبعد نقطة في الأفق داخل المحيط، تلك الحرية التي كنت تنتعش بنسيمها يوم كنت تجلس على الرمل أو على كراسي المقاهي المقابلة له
يقولون إنهم بفعلهم هذا سيعبدون طريقا للشاحنات الكبيرة، بدلا من دخولها إلى وسط المدينة.. بالله عليكم ألنعبد طريقا نضحي بمنظر طبيعي رائع كخيال مغلق على نفسه، ونضحي بملجأ لكثير من الناس في المدينة البيضاء الكبيرة التي كسفينة ترسو على ساحل طويل عريض ولا تملك إلا كورنيشين إثنين، إلا عينين إثنتين.. وها قد أطفئت إحداهما
رحم الله كورنيش شاطيء السعادة كان كنص أدبي.. قرأت منه هنا النزر القليل جدا وما بقي كما خفي دوما أعظم.. إنه كان عزيزا على من منهم مثلي.. إنه عزيز كان، وعزيز رحل

