في مدينة الرياح-الصويرة-
أحمد المعطاوي
الجزء الثاني
رجعا إلى العش كعصفورين من نوع الكناري…
ثم هب إدريس ليخرج ليترك نرجس تأخذ راحتها في تغيير ملابسها وربما لتتهيأ لأول ليلة يقضياها معا خارج الأسوار ، بحضن مدينة يزوراها معا أول زيارة .. خرج ولم يعد على جناح السرعة، ولما عاد تناكتا قليلا ،
وضحكا كثيرا وشاهدا فيلما على القناة الثانية مقتبسا عن رواية لميلان كونديرا الروائي التشيكي المقيم بفرنسا، عنوانها “كائن لا تحتمل خفته ” ، الفيلم في الأصل لا يصلح إلا لمن عمره تجاوز الثامنة عشر سنة لكن مقص الحذف عمل عمله بامتياز، ولم يترك لإدريس حتى هوة صغيرة يتسلل منها إلى قصور نرجس المنيعة .. وبالفعل لما بدأ محاولته الأولى، وجد أن سور كيان نرجس عال ومغلقة أبواب جناته الثمانية وأعاد المحاولة بطرق أخرى لكنها باءت بالفشل هي الأخرى.. ولم يبق لديه خيار إلا أن يتناول رغبته وينسحب، فمن شيم وشجاعة الفارس أن ينسحب وقت الانسحاب.. وها هو يتناول رغبته الجامحة جموح أربع و ستين حصانا كمن تناول قبعته.
وغادر صامتا إلى أقصى الغرفة ، هادئا كان هدوءا استمده من هدوء المدينة المضيفة ، المدينة الماتعة كبلاغة.
(قيد الأوابد) زمن افتضها واجترحها امرؤ القيس الشاعر الضليل
مر زمن، لاشيء غير السواد يعمر وهاد الغرفة، غير أنفاس تتصاعد وتسبح كدخان سيجارة تخترق مدى الغرفة فتنطح السقف راجعة القهقرى، غير حديث النفس من على السرير يتوجع ومن على السجادة الحمراء يتردد ترددا ركض خيل بليل، وأخيرا غير خفقان نبض يتوزع مساحة الغرفة والتي ما هي بالمساحة الكبيرة..
المشرقة الجمال والمرحة المزاج شيء ما بداخلها تواضع فتغير كيانها فنهضت فتقدمت تحبو إلى جانبه في أقصى الغرفة حيث استلقى على ظهره يتأمل السقف في الظلام، فتمددت على ظهرها مثله بيدين متصالبتين على صدرها العامر لذة، المكتنز رغبة، النافر النافر .. همست له : ما بالك تصمت ولا تتكلم؟ وشوشها شيء في أذنها اليمنى ، جعلها تضحك ملء فيها .. قالت له : إنك صقر نبيل لما لا تضمني إلى صدرك الواسع الجميل .. ضمها بقوة بقوة فطارت روحيهما كفراشتين متعددتا الألوان، ملأتا الآفاق رفرفة و تسابقتا إلى النور المحظور ثم فكرتا أن تلتحما في كيان واحد، فكان كما فكرتا، ثم غاب الكيان في السحاب، ابتدأ السحاب أبيضا ثم دنا فتدلى حتى إنتهى أحمرا جوريا
إنها كانت ترغب منذ البداية لكن ثبطها شيء ما مثل أن تفقد الاعتبار و الاحترام و العاطفة في عين إدريس
(إنهن يتمنعن و هن الراغبات) هكذا يتردد على أسماعنا منذ ولجنا وجلين قصر المراهقة الأحمر
المرأة ألغاز يحار في فهمها العقل الرشيد، حتى أنها قد تقول امرأة في حقها إنني لم أفهم المرأة.. المرأة كائن لا تحتمل خفته وفي نفس الآن يحمل أثقال بحجم الجبال ولا يئن أدنى أنة و قد لا يقول آه.. وتبقى المرأة أبهج ما في الحياة كما عبر كونفوشيوس يوما.. وتبقى المرأة دمعة وابتسامة: دمعة من سماء التفكير، وابتسامة في حقل النفس كما جاء في قول أحدهم
نرجس .. كانت لا تكف عن التحرك والتملل كأنها على إبر تنعس ، كانت ترتعش من قمة رأسها إلى أخمص قدميها وكان إدريس لا يكف يوشوشها.. وكانت هي لا تكف عن التلوي، والتلوي من الضحك
ماذا يا ترى كان يوشوش لها؟
لنتكهن معا الجواب، لنخمن، لنحدس، ربما كان يهمس لها أنت أوريديس إذا كنت أورفيوس .. أنت أمريكا إذا كنت كلومبوس، أنت الفردوس إذا كنت البشر الأول ، أنت الجواب إذا كنت القرار
الخلاصة: عمل كبير بجهد كثير في وقت وجيز ، كعمل سيزيف حين كان يحمل الصخرة لتسقط منه في آخر لحظة.
ثم ناما قريرا العيون تصحبهما أطياف من أحلى الأحلام، أحلام من ورود قد تذكر أشكالها و لا تذكر أسماءها .. من نام أولا منهما ؟ – الجواب: لم يذكر إدريس ذلك لي
كانت شمس يوم الأحد قد أشرقت بشكل مختلف هذا الأحد، و قد أصبحت نرجس و على شفتيها إبتسامة لذيذة ، ابتسامتها مشرقة كإشراق ضياء بعد تبدد جيوش من غيوم كان في حالة هجوم ، كانت بيضاء القوام كحمامة بيكاسو البيضاء، كانت أهيف أكثر وكانت أكثر انطلاق بوجهها الطلق .. تناولا الفطور وإستقلا حافلة الحادية عشر ليصلا حوالي الساعة السابعة مساء، فسفر النهار أبط بكثير من سفر الليل، ليس الليل طبعا كالنهار، الليل نجوى وهمس.
وسكون وجنون وراحة ، والنهار هرج ومرج وحركة وحراك وتعب كله كالحياة
إدريس.. إنه يعود على ظهر حافلة من طراز رائع، تمشي كأن تمشي على حرير رغم أن الطريق غير معبد كفاية.
إدريس يعود يحتضن عشقه القمر، القمر الجميل، وكان لحن أغنية راي يعزف على مسجل الحافلة، يعزف: (البيضاء مونامور.. )، بالنسبة لسالم اللحن يعنيه الفتاة والمدينة معا.. فعلاقته بمدينة البيضاء وبحيه درب السلطان علاقة عتيدة ضاربة بجذورها إلى أعمق مكان لا يمكن تصوره في أقاصي بقاع كيانه، كيانه الذي كثيرا ما يفضل الثياب البيضاء كظاهر، ويبطن الضحك والنسيان، لكن ليس دائما ..
تشق الحافلة طريقها رأسا إلى الأمام ، ورأس نرجس نراه قد اتخذ كتف إدريس كشاطيء هاديء ليرسو عليه في أمان تام
وإني كصديق لإدريس وراو، لعلني لم أنقل ثرثرة صاحبنا بدقة متناهية ولكني نقلت معنى الكلام وطابعه العام بتعبير أحد أبطال الروائي الروسي دوستويفسكي في إحدى إشراقاته البهيات..

