في غابة بوسكورة (الجزء الثاني)

في غابة بوسكورة (الجزء الثاني)

 
-31- 

افترشنا شال نرجس و لم نفترش الثرى كجبران الشاعر في قصيدته المواكب، التحف هو الفضاء والتحفنا نحن أجنحة عشقنا وبدأ الحديث بالجو جميل وشاعري..
قالت: وماذا بعد
قلت: جميل وشاعري وأنت وأنا

وفاضت ضحكا يغري على الاقتراب، ضحكا يفتح شقا من الباب، ضحكا يمنح المتردد الثقة ويشجع من مر من مأزق كمأزق قبل قليل الذي علي مر، فأصبح هيابا شيئا ما من جراء ما مر.. فقطفت قبلات كزهرات يانعات
متتاليات ثم رفعت رأسي فوجدت السماء نصف صفاء، رأيت سحبا تتجول ببهاء، غمرني شعور، كم الغابة نعمة وحياة يسألونك عن الغابة قل: وحشة، خوف، مجهول، توقع، قد تفاجئ بشيء ما، بشخص ما، على حين غرة جاء في المثل: من يخشى حفيف الأشجار لا يدخل الغابة .. و بالمقابل قل: الغابة لوحة كبيرة تشوقك إليها، الغابة غابة من اللحظات تدعوك إلى رحابها إلى ولوجها ولوج الفاتحين، تفتح لك مصراعي باب قلبها المكنون، المسكون بالهدوء و اللابس الأخضر على الدوام، والمعطر بخلاصة عطور أزهار الإمبراطورة الذي كان ماركة مسجلة زمان الكاتب الدرامي دويستويفكي، والدائم الوشوشة والهمس والخشخشة بين سكانها الدائمين من كائنات و نباتات
يا أيها الداخل إلى الغابة، تذكر، أنت تدخل إلى متحف، إلى متحف أحياء

-32- 

كانت نرجس تلبس يومها سروال جينز وقميص باللون الوردي الفاتح بأزرار، لونه الوردي يشبه لون شفتيها هذا اليوم الذي في الأصل يشبه لون الكرز، ويشبه قلبها هذا اليوم لون قلب الرمان، هي اليوم ورد على ورد، نور على نور، مشتهاة لدرجة لا توصف، بعد القبلات الحارة التي كانت بمثابة مقبلات، أطفأ الإدراك عندي الباب وانسحب وبدأت يدي تتحسس الصدر كما تتحسس يد في الظلام زر الكهرباء، فارتطمت بالزر الأعلى، الذي لم يكن صعبا فتحه كأنه كان ينتظر، كان الشق مواربا.. بان متلألأ نحرها، متوهجا، أو ربما حرارتي المشتعلة بي زادت من توهجه الخارق توهجا.. فجأة، سقطت بروعي الجملة التالية : الغابة حكاية ترويها الأشجار على إيقاع واد بالبعيد منساب، لا أدري محلها من لحظاتي تلك ولماذا حطت بفكري وقتها، تابعت.. قفزت يدي فرحا إلى الزر التالي كأنها أرنب طروب يقفز إلى حقل جزر طري، فتململت نرجس خفرا، تململت فأحدث بي تململها شيء كصوت أحسته أذني بعيد، أصخت سمعي أكثر، نما الإحساس وكبر، توقفت ووقفت أمد بنظري بالجهات التي كان يمكن لمجالي البصري التقاطها، كانت خشخشة بعيدة لكنها تزداد رويدا رويدا .. أحسست بخطر ما يهدد لحظاتنا الساخنة تلك..

أمسكت بيد نرجس أقمتها ووضعت الشال على كتفها فقلت لها تقدميني، هل لازلت تذكرين الطريق ،أجابت بنعم، وعيني مازالت
تراقب الجهات بسرعة وبتركيز عين خيالي لا تزال تراقب ما تحت الأزرار الثلاثة المفتوحة، ظهر لبصري خيالات أربع تتقدم نحونا، الوجوه غير واضحة، فقط الأحذية تتضح مع التقدم، أشرت إليها هامسا أسرعي، لا تتوقفي، اهربي حتى، لا تفكري بي بتاتا، المهم أنت، أنت، أنت .. أما أنا فنفخت صدري ووضعت يدي التي كانت قبل قليل فرحة لتفتح الزر الموالي للقميص، وضعتها بجيبي ورفعت من رأسي وخوفي من الخطر المحدق بي يزداد وأنا أطمئن نفسي وأكذب عليها أني قادر على المواجهة، داخلي كان يردد فيقول كيف تقاوم ثمان قبضات متتاليات، وثمان رفسات متتابعات، وثمان ضربات مقص صاعقات، كيف تنجو من خطر أنت ركبته، هل صدقت ما قال نيتشه يوما (اركب الخطر) فركبته بلاوعي وقامرت بحياتك لأجل لحظات لا تساوي جناح بعوضة.

بل غامرت لسعادة العشق الذي يعمي ويصم، ما أومن به إيمانا قويا هو أن السعيد بجد هو الشجاع، والضربة التي لا تقتلك تغذيك عشبة اسمها القوة، كان حديثي مع نفسي لحظتها مزيج من موجب وسالب، وقد قطع الجسر وانهار ووقع الأمر المحظور، فلا لوم ولا عتاب الآن، الآن الثبات الثبات، لماذا حضرني وقتها قول أبي نواس:

دع عنك لومي فان اللوم عتاب/ وداويني بالتي كانت هي الداء 
كانت الخطى الثمانية تتقدم كأنها خطى جنود، وكنت كرجل هندي أرهف السمع إليها وهي تتقدم حتى أحسستها خلف قفاي، وسمعت حتى الأنفاس تزفر زفيرا، وتفح فحيح أفعى التفت .. وتوا، تذكرت بيت الشافعي :

إني أحيي عدوي عند رؤيته / لأدفع الشر عني بالتحيات

هل صدق الشافعي فيما قال؟ المهم بادرتها تلك الأعين بالسلام
كانت نرجس قد ابتعدت كثيرا، يبدو أنها أخذت بفكرة الذئب الذي إذا لم ير النجاة بأنيابه، استنجد بكعابه .. كان سلامي إليهم تعويذتي السحرية التي ألقيتها عليهم، التي فعلت فعل السحر معهم.. فصدق الشافعي
ونجوت .. إني نجوت فرحا صاح داخلي كديك بعد صراع مرير وانتصر شيء ما بكياني مرة أخرى

-33- 

بجواب مع ابتسامة بلون بارد ، خذ أي لون تشتهيه

– أشتهي الأزرق
الأزرق يقال لون الشعراء المفضل –

– إذن، جوابي الذي مع لون ابتسامة زرقاء باردة ، هو بسبب تلك الشجرة غير النادرة الوجود بغابة أيامي، إذا ما تسأل: ما هي وما لونها؟، إنها شجرة سوء الحظ .. لونها، كالماء لا لون له، لا لون لها .. لحظات المغامرة لا تنسى يا صديقي، وربت إدريس على كتفي وابتسم

قلت: أنت لم تكن سيء الحظ، بل لم تكن مهيأ النفس و لم تبلغ النفس المناسب ذلك اليوم لقطف الثمار، ثمار نرجسك البري الناضجة الطيبة، أنت كنت مهيأ فقط لتعبر عما يختلج بين ضلوعك من زفرات هيام و آهات الغرام، بالله عليك كرر ما صاغته أشواقك قبل بدء فك الأزرار أيها زير سالم هذه الأيام

وانبرى زيرنا في قوافيه المهلهلة يشدو، أحبك نرجسي حبا. عميقا كبحر. واسع ككون. أبيض كحليب. أحمر كقلب رمان . أحبك من زمان. أحبك إلى أن أنتهي أو ينتهي الزمان.. و يا ليث شعري

أعود فأقول ختم إدريس كلامه فقال:
الخلاصة أن ملاكي الحارس يهب لإنجادي في اللحظة الصفر من السقوط على أم رأسي الزجاجي
وغمغم بشيء آخر غمغمة ، غمغمة لم أتذكر فحواها الآن..

يتبع…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *