فلسطين.. مليونيه العودة والزحف المهيب
بقلم: همام حامد حمدان -غزة – 13/مايو 2018م
في مشهد مهيب وصورة لم تستطع عدسات الكاميرا ترجمتها، في صعيد واحد اجتمعت كل مكونات الشعب الفلسطيني في غزة، من فصائل، ومؤسسات وشخصيات، ومبادرات، وتجمعات، تحت مظلة كبيرة حملت شعار مسيرة العودة الكبرى، هذه المسيرة التي أشعلت في قلوب الشباب الثائر أيقونة الصمود والتحدي ، وفرضت واقعاً جديدا لكل الأطراف وأنتجت مجموعة جديدة من العوامل التي طرحت نفسها بقوة في ميادين العودة التي التصقت بالحدود التي تفصل بين المحتشدين في تلك الميادين وبين تلك الربوع الجميلة من فلسطين المحتلة، تلك الميادين والمخيمات التي كان يجلس فيها الفلسطيني المهجر من أرضه، ويتنفس من هواها وعينه تراها وهي على مرمي البصر والحجر.
هذه المسيرة والتي أسست لمرحلة جديدة ونوعية من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفرضت واقعاً جديداً لعله يحرج الأطراف فيما يتعلق بالطرق والأساليب التي يستخدمها الفلسطيني للمطالبة بحقوقه والدفاع عنها، فكانت المقاومة السلمية هي سيدة الموقف، والمرجعية الأساسية لشباب لم يعيشوا تلك التجربة فيما قبل ولكن الجهود التي بذلت في الميادين من المجموعات القائمة على إدارة الميادين أوصلت هذا الشباب لمرحلة يتبنى فيها فكرة المقاومة السلمية، لا بل ويدافع عنها بكل قوة ويضيف لها الأساليب الجديدة والمتطورة ،وكان الميدان أكبر شاهد على هذه الأساليب والتكتيكات وتطورها الملحوظ، بداية من الإطارات وحرقها أو تلوينها أو استخدامها كسواتر لحماية المتظاهرين إضافة لرفع الاعلام والصور والحفلات والاجتماعات وحلقات القراءة والتراث من الدبكة والدحية وغيرها وصولاً الى الطائرات الورقية التي اضافت معادلة جديدة في طبيعة الصراع وحجم الفارق الناتج عن استخدام هذه الطائرات سواء بإلقاء المنشورات الورقية داخل الحدود أو حرق الأحراش المحيطة بقطاع غزة.
مسيرة العودة وذكرى النكبة.
بعد قرار الإدارة الأمريكية بنقل السفار لمدينة القدس بعد الاعتراف بها كعاصمة أبدية لدولة إسرائيل، وما ترتب على هذا القرار الجائر الذي تجرأ دونالد ترامب وأعلنه ،وحدد تاريخ الرابع عشر من مايو لنقل السفارة للقدس لما يحمل هذا التاريخ من رمزية لدى الفلسطينيين باعتباره يسبق بيوم تاريخ نكبة فلسطين والتي كانت عام 48م وهجر على أثرها الفلسطينيين من ديارهم وأراضيهم إلى مخيمات اللجوء التي انتشرت لاحقا في معظم الدول العربية سوريا والأردن ولبنان وقطاع غزة.
يأتي إعلان ترامب بنقل السفارة في الذكرى السبعين لإقامة (دولة إسرائيل) هو ذاته تاريخ نكبة فلسطين، في رسالة دامغة المعالم أن تاريخ فلسطين هو تاريخ مزيف وما تقره الرواية الصهيونية هو الرواية الصحيحة، أيضا يحاول المصارع الأمريكي فرض واقع جديد في المنطقة بمعادلات جديدة لعل أهمها نسف اتفاقية أوسلو بإخراج مدينة القدس من مفاوضات الحل النهائي وتحويل ملكيتها ومرجعيتها إلى إسرائيل، وهذا الأمر يحرج المفاوض الفلسطيني ويجعله عاجزا إضافة لعجزه أمام الخيارات المطروحة لاسيما الخيار الأخطر وهو صفقة القرن.
وفي خضم كل هذه الأحداث والمتلاحقات واضافة لما يمر به قطاع غزة هذه الأيام من حصار مطبق جاء على كل مكونات الوضع العام في القطاع لاسيما بعد قطع رواتب الموظفين العاملين في السلطة الفلسطينية وترك الباب مفتوحاً لكل التحليلات والتقديرات.
يستعد قطاع غزة بكل مكوناته وأجزائه بكل طاقات وأفراده بكل مؤسساته ومرجعياته لأكبر مليونيه في تاريخه ليتوج مرحلة جديدة من مراحل الصراع تحت مظلة المقاومة السلمية، ومع كل الدعوات سيخرج الشعب الفلسطيني في الرابع والخامس عشر من مايو في سيل بشري يتدفق من كل الارجاء يفرض واقعاً جديداً يحمل علم فلسطين ويلتف حوله الجميع يضحي من أجله الشباب ويرفعه عاليا الشموخ وتغني للعودة النساء والأطفال ، يزداد حلمه بالعودة يوماً بعد يوم، سيكون المجال فسيحاً للجميع وستكون ابداعات أبطال الميادين في كل مرة تنتج أفكارا جديدة، وسنرجع يوماً إلى فلسطين كل فلسطين.

