طيف حنظلة اللطيف
جاء في كتاب “زمن الشعر” لأدونيس: “كل نص جديد يخلق ذوقا جديدا وطريقة تذوق جديدة..” وينطبق هذا على نص(خشية الفراغ) للشاعر محمد رزيق، إنه ذلك النوع من النصوص التي تلبس جديد المعنى وجديد الصور، إنه نص فيه ما فيه من جدل البراءة والحلم، إنه الشعر -مجمع البحرين- يرسم دربا آخر ويمثل فتحا آخر من فتوحات بيضاء لصاحبنا حنظلة عبر بوابة الكلام لمبدع أوراقه/ نصوصه المسترسلات تترى.. ومنه، فإنه يحتاح لقدرة أخرى للغوص في هذه التجربة الجديدة، إذ كل نص جديد هو تجربة جديدة يخلق الشاعر بها لغته وشخصيته من جديد، يقول أدونيس: “إذ يبدع الشاعر قصيدة لا يخلق لغته من جديد وحسب، وإنما يخلق إلى ذلك، شخصيته من جديد”، وأضيف، ويخلق قارئا جديدا وقراءة جديدة
في البدء كان العنوان “خشية الفراغ”، الفراغ الشبيه باللهب الذي يبدو كباب ظاهره الواقع وباطنه من قبله الحلم، واللذان هما وجهان لعملة واحدة هي الوجود، وجود القصيدة
خشية الفراغ ، هذه العبارة تذكر بما سطر أرسطو حين قال الطبيعة لا تقبل الفراغ أو تخشى الفراغ وأكده من بعده علماء الفيزياء، وهنا والآن في فيزياء النص
الطبيعة في هذا النص تمثل النفس، نفس الصغيرة بذراعيها الصغيرتين وهي تحضن نفس الشاعر وهو ينفث الحرف والنبض والزفرات ويصف ليجلي الصور، الصور التي مهمتها الكبرى أنها تخفي دلالة و تشير إلى معنى
“احتضنتني بين ذراعيها الصغيرتين/ احتضنتني وضمت صدرها إليّ،/ كان الوقت ضحى فأمسى غسقاً؛
حين احتضنتني وأطالت الإصغاء/ فتحتضنني بين ذراعيها/ ثم تكبر وتكبر الذراعان”
ونفس حنظلة البطل، ذلك الشعاع الذي يتسلل كلما وجد فراغا أو برزخا إلى نفس النص
“يتحلل حنظلة وينشطر/ الطفولي فيه يتلبسني/ وتكبر هي في شطره الثاني/ فصارت وصرت حنظلة/
ساعتها، راغَم حنظلة وأسرج ساقيه/ ورفع الشارة في قِماطٍ، في كوفية/ لكي لا يصدأ الحديد: مفتاح العودة،/
ويُهان من باع القضية”
ونفس الإنسان العربي الحاضر الغائب الباكي الضائع كالزمن الضائع بالضحى والليل، خان العهد وباع العرض وضيع الأرض، وبقي يجر أذيال الخيبة باذلال وبلا كرامة، وأضحى وأمسى وبات عبد الدرهم، عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم والدينار بحسب ما جاء في الأثر: “ هنا سقط العراق وهناك الشام يتشظى/ وقريب منا،/ تموت الكرامة في الحاويات/ ويسحل الشرف/ لكنهم، خانوا العهد وباعوا العرض؛/ واستبدلوا الدينار بالدرهم”
والنفس -كما قال أحدهم- كالزجاجة إن لم تملئها بشيء ملأها الهواء، ومن هنا كانت خشية الفراغ، تستدعي القصيدة أن تحضر، والصور أن تتجلى، والتكرار/الزخرف الذي هو فضيلة في الشعر أن يشكل إيقاع النص إنه كقلب يتقلب في الصور وفقا لتجربة الشاعر وهو يعيش/ يكتب أسطر النص بأنفاس متواليات
وأما إشراقات النص أو لحظات الكينونة كما عبرت عنها ذات مرة فرجينيا وولف، فهي كأزهار تتوزع حقل
القصيدة ناشرة ألوانها وشذاها وشعريتها التي “تتمزق بين طفولة تخاف فراغها/وتحِن لزمن/ تتمرس له على أساليب الغواية..”، ثم يتردد صدى هذا التمزق عبر المساحات الخضراء للنص كهذا النداء: “رويدك أيتها الصغيرة/دونك الكبْر وفوقك الكِبَر/ما ذبلت زهرة الا لكِبَر،/وما شمخت الا في عزّ”
ثم تكبر وتكبر هذه الشاعرية وهذه اللحظات بخلد الشاعر حتى لينوء بكبرها فينتهي ليكتب: “وأصير خيالاً للحمى/ بأكناف البيت الذي به نكون“
هذا حظي، وهذا نصي من هذا النص وأوكل سره إلى الشاعر محمد رزيق ناقش سطوره/أسراره، الذي يشبه الصوفي في استخدامه للغة بطريقة مختلفة، ليجعلها تقول شيئا آخر، ليخلق بها جمالا بلون آخر، ويبقى شاعرنا، ذلك الشاعر الذي يستسلم لريح القصيد كما يستسلم قبطان، ليست له أية فكرة عن المكان الذي يتجه إليه، لريح غامضة بتعبير أورهان باموق في كتاب ألوان أخرى

