دراسة الأستاذ لحسن قراب لقصيدة شاعر المغرب الشرقي الكبي : الأستاذ حسن الأمراني (شكوى)

دراسة الأستاذ لحسن قراب لقصيدة شاعر المغرب الشرقي الكبي : الأستاذ حسن الأمراني (شكوى)
لحسن قراب أستاذ بجامعة شعيب الدكالي

هل يمكن للنقد أن ينعش الصور، ويبعث الحياة حتى في الحجر، وجعل الالفاظ تتبختر في ذاكرة الأحياء وتترك أعمق الاثر.
شكوى.
إن مسني الضرُ لا أشكو إلى أحد
لا يكشف الضرَ غير الواحد الأحد
تغرب الأهل في البلدان وانتزحوا
ياغربة الروح بعد الاهل والبلد

الأمراني :

1_ مثنى :أمر، فالأمر الأول هو الوارد في القرآن الكريم، منه (قل هو الله أحد)
2_ والأمر الثاني هو ذلك الوارد في السنة النبوية الشريفة، ومنه (ليقل أحدكم خيرا أو ليصمت).
2 والامران : الطلب والدعاء : دعني (ب3) ، وكن لدليل خير معتمد (ب7)
3والامران: الأمر والنهي:
فاملأ بها (ب7) ، لاتحرمني (ب5)
3 والأمران : القرآن والشعر :
مسني الضر(سورة الأنبياء 83)
قم في البرية واحددها عن الفند “4”.

ولفظة (أمراني ) على مستوى الإيقاع تفيد تعاقب أربع حركات وأربع سكنات، مما يشي بعملية إقدام وإحجام على مستوى الذهن بين أمرين تساويا في الأهمية.

وياء النسبة تحيل على الامتلاك. والحيازة، أو على النسبة للمكان. وفي اعتقادنا، إنها تدل على الانتماء، والتَقَوّي بالأغيار ممن يشاطرون المتكلم نفس المعتقدات و الأفكار.

خلاصة اسم العلم، أن المتكلم يتأرجح بين شيئين اثنين، أو بين خيارين جميلين، وكذلك الاسم (حسن) هو اختيار بين اثنين هما: سيدا شباب أهل الجنة (الحسن والحسين) ابنا علي كرم الله وجهه وفاطمة الزهراء، بنت وقرة عين، النبي صلى الله عليه وسلم.

أما العنوان (شكوى) فهو أيضا يتأرجح بين الحضور والغياب لان (الشكوة والشكوى :إظهار البث، وأصل الشكو :فتح الشكوة، وإظهار ما فيها، وهي سقاء صغير، يُجعل فيه الماء، وكأنه في الأصل استعارة كقولهم :(يثبت له ما في وعائي، ونفضت له ما في جرابي).

فالشكوى، هي إخراج ما في الداخل، استعمل اللفظ للماء ،ثم استعير لإخراج ما ينفع الذات والآخر، نفع الذات بالتخفيف ونفع الآخر بالتلطيف، والمشاركة، والتفاعل. ومنه قول جرير: أشكو إليك فأشتكي ذرية “””” لا يشبعون وأمهم لا تشبع.

والمعنى (شكوته فأشكاني ،الأول حمل على الشكاية، وإلجاء إليها، والثاني إزالة لها).

وليس من غريب الصدف أن تكون المجلة التي رابطت مع أعمال الاستاذ حسن الامراني تسمى (المشكاة) وهذا اللفظ يدل على (طريق في الحائط غير نافذ، قال تعالى (كمشكاة فيها مصباح) وذلك مثل للقلب، والمصباح نور الله فيه) ، فالمشكاة والشكوى كلاهما يصدر عن مكان غير نافذ، وكلاهما يلفظ حِملا: الهَمُّ من المشكاة، والماء من الشكوى.

ولعل حرف الشين الذي يعد أحد مكونات الكلمة، هو حرف تشتيت وانتشار، وتفشي، لذلك نجد المشكاة منبع علم والشكوى منبع هم، كلاهما ينتشر، ويؤشر على الرغبة في الجهر، لردع القهر.

لاغرو إذن أن تأتي الأبيات معطوفة بأدوات الشرط، والشرط هو تأرجح بين جملتين مستقبليتين، لا تتحقق الثانية الا بتحقيق الأولى، بل يتفق النحاة على أن الأزمنة في الجمل الشرطية تبقى معلقة، فلا تحيل إلا على جملة تَحَقُقها رهينٌ بتحقق الأخرى، أي أنهما معا في حساب الممكن والمحتمل.

هذا المدخل ضروري لفهم شخصية الكاتب، وفهم القصيدة من خلال اسمه ونتاجه، وسياقه، لأن النص إفراز لكل ذلك. والجمل الشرطية توزعت بالشكل التالي داخل النص:

1 الأداة (إن) وردت في الأبيات الآتية :
1/1البيت الأول :إن مسني الضر…
1/2البيت الثامن :إن ضاقت الدنيا..
1/3البيت التاسع:إن شحت العين….
1/4البيت الثامن عشر :إن لم أكن….

2الاداة (إذا) :
2/1البيت الرابع :إذا عظمت
2/2البيت الحادي عشر :إذا خلت….

وإذا كانت الأداة (إن) يتوسل بها فيما يستبعد وقوعه، فإن الأداة (إذا) تستعمل حين يعتقد المرء أن التَحقُّق ممكن. بل وقريب.
والقصيدة من خلال النظرة الخاطفة، تنطلق من غربة للأهل والوطن والروح : البيت الثاني.
تغرب الأهل في البلدان وانتزحوا.
ياغربة الروح بعد الأهل والبلد.

وتحط الرحال ومنتهى الآمال في المدينة (طيبة) حيث الملجأ الآمن، ملجأ جسدي وروحي، ملجأ الغرباء، الذين يفدون على قبر النبي صلى الله عليه وسلم للاحتماء، ويتركون كل ما دونه بسخاء.

هذا مجرد مدخل، سيتبع بالدراسة على حلقات، إن شاء الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *