حنظلة.. وزمان الدرس قراءة في نص للشاعر محمد رزيق
أحمد المعطاوي
نيتشه الفيلسوف الألماني الذائع الصيت وهو يعيث فسادا بمنهج الفلسفة الأولى التي تعتمد فعل نظر و رأى في تشريح وتأويل النصوص يعتمد على مطرقة السمع ليتحسس نبض وجسد النص وإذا حدونا حدوه وأصغنا السمع للنص
أو النفس الثالث “حنظلة في فصل الدراسة” للشاعر محمد رزيق وجدنا أنفسنا نستمع لأكثر من صوت، لسمفونية أصوات، نختصرها في صوت الراوي، صوت حنظلة ،صوت الأستاذ، وصوت الصمت الذي يشتغل عليها القاريء مثلي بشغف لهذا النص
- صوت الراوي
أنزل حقيبته من على ظهره/ تأفف وتنفس الصعداء/ ثم أحنى رأسه؛ / هو حنظلة،،، حضر الدرس
الحقيبة، زمان، تضم بضعة كراريس، وكان زمان الدرس والتحصيل في عنفوانه، كانت الرغبة في التعلم والهيام به ككتاب فيه ما فيه من لعب وجد واحتفال
الآن، قتل التعليم بأيد خفية أو معلنة، أهين رجل التعليم بكل أنواع الإهانة، بدءا من السخرية منه في وسائل الإعلام (الفيلم المغربي القسم 8- المسرحية المصرية مدرسة المشاغبين على سبيل المثال لا الحصر)، إلى الحط من مستواه، إلى إتخاذ خطوات تجفيفية لكل مفاهيم الخير والتربية والطموح كانت تقيم أود وتحفظ سر العافية بهذا الصرح العظيم الذي تقوم عليه كل دولة متقدمة، يقول المثل : “إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، إنه التعليم لو أنعمنا النظر وأصغنا السمع لهذا المثل، إنه التعليم يا أمة “اقرأ” وهل يصدق الصهيوني حين سئل، فأجاب: إن العرب لا يقرؤن، وإذا قرؤا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون.. يبدو كواقع أنه صدقنا هذا الصهيوني وهو كذوب، إن العربي أصبح كأبي لهب يسمع أنه يلعن “ثبت يدا أبي لهب” وكان مايزال يتمادى في الغي، فهل” ما لميت بجرح إيلام”، كما عبر شاعر ذات مرة، ويستمر الرواي في عرض طموح حنظلة ذلك التلميذ المجد الذي جمع بين التربية والتعليم في شخص واحد،
ليجد هذا المجد بدل المجد الجلد والسحل في الساحات عندما يخرج بصوت مفعم باللاءات لرفض هذا الجور المتواصل ضد كل من قرأ وحصل على شهادة وطالب بعدها بعمل، حتى بالحد الأدنى للأجور الذي هو كطعم شجرة الزقوم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، يقول الشاعر على لسان الراوي:
علّه يجد شهاباً أو قبساً/ يشعل به شموع العاطلين غداً/ أمام القبة وعلى مرأى الناظرين؛/
ليشهد اللكم والضرب والسحل/ لكن… وتتعالى الأصوات مزمجرةً:/ لم نعلمك يا حنظلة لترفع رأسك
- صوت حنظلة
حنظلة الذي يجمع بين صوت الشاعر الثائر المأخوذ كمجذوب بأمته، وصوت النبي المخذول من قومه، في شخصه.. يأخذ بميكرو الكلام ليوضح للجوقة أو الأصوات المتحجرة والمزمجرة التي تحاول أن تقمع كل صوت يكاد يبين، وليسمع من كان له قلب أو ألقى السميع وهو شهيد
عفواً سادتي:/ علمني أستاذي أن أرفع هامتي/ فبِها تسعد أمتي/
أنا ابن الفكرة، ابن إقرأ/ أهلي عمّروا الربع الخالي،/ زينوا الثريا بصورهم،/ يعرفهم القرطاس والقلم
حنظلة “إبن الفكرة” التي تأخذ روعتها من زيها وزينتها ومن “التخطيط الدقيق والحب الوثيق والإيمان العميق” كما سبق وأوضح الشهيد حسن البنا عليه رحمة الله
حنظلة إبن “إقرأ”، الآية التي لو تحققت في قوم أو فرد من قوم لرأى في نفسه العجب، القراءة عملية تقوم بها العقول الكبيرة كما عرفها أحدهم ذات مرة، وتصح إذا ما عكسنا قراءة التعريف وقلنا ولتكبر العقول عليها بعملية القراءة
لكن الأمة الذين عمروا البر والبحر والفضاء، وكانوا خير أمة بين الأمم، وعلموا بالقلم من كان في غيه وظلامه قرونا ناعسا، أمة: المليار.. ويزيدون،/ والإسم مسلمون/ لكن لا ترى إذا رأيت غير/ حشود عبيد.. وبقر.. وقرود/
، خيبت الظن بها، ظن إبنها ونبيها وربها، ولله المشتكى والمفزع أما من رحم الله حين قال/”يا عباد” فنزر قليل قليل
- صوت الأستاذ
إنه وكما يعبر الشاعر وبعدما (عمّ الصمت بالفصل)، يبدأ ليكمل درس الأمس، يطلب من تلاميذ الفصل فتح الكراريس لا فتح العقول والنفوس، ليس استهانة بهم، لكن بدأهم وهو الأستاذ بما يعرفون من مكتسبات سابقة عليها يبنى الدرس، المعارف السابقة مختزنة بالكتب وليس بالصدور عكس ما جاء بالمثل السائر (العلم في الصدور وليس في السطور)
“افتحوا كراريسكم؛/لنكمل درس الأمس”
الدرس درس عن الشعر وعن الشجاعة، الممثل في الشاعر الاسطورة الشجاع عنترة، عنترة العبد الأسود غير المعترف به، لماذا يذكرني العربي في هذا الزمان، إنه هو أيضا يعيش في رق العبودية وغير معترف به، عنترة بفصاحته وفروسيته وقوته مع الوقت نال حريته بجدارة (وهكذا اعترف شدّاد بعنترة./وتعلق عنترة بعبلة!)، والعربي ألا يملك القوة ورباط الخير والذهب الأسود والجنات والأنهار والبحار وسامق الجبال والشباب وشامخ البلاد، فلماذا يتعلق بعبوديته كأنها حبيبته ويتلذذ بصفعات الجلاد. ويحضرني في هذا المقام ما سجلت في مكان آخر،
إذ.. جميع الألوان أسود/ الليل يذكرني بعنترة/ عنترة الشاعر الفارس الأسود/ عنترة قيد الأوابد،//
قام بغزوات هنا وهناك/ والليل كذلك / عنترة خرج وعاد مرات/ والليل كذلك /
الفرق…؟/ عنترة توله ثم مات/ والليل..؟/ الليل لا يزال على قيد الحياة
ولئن مات عنترة فقد مات على صهوة جواده والرمح بيده ولسانه يغني:
لا تَـسْقِنِـي مَـاءَ الحَيَـاةِ بِـذِلَّـةٍ/ بَلْ فَاسْقِنِـي بِالعِـزِّ كَـأْسَ الحَنْظَـلِ
لكننا نرى العربي (كالماء يموت كل يوم) بتعبير أدونيس، وهو صفر اليدين، وكأن لا يملك اللسان ليقول لا لغير الحرية والكرامة أبسط حقوق الإنسان، رغم أنه مشهور عن العربي أنه يتكلم، ويتكلم كثيرا
وكما دائما يبقى الراوي من له الحق في إسدال ستار الكلام، فإنه يختم هكذا:
“هكذا ينسج البسطاء حكاياهم،/ يكتبون التاريخ بالمعاناة / بالعرق والدماء “

