حنظلة.. وتفاح القص والحوار
أحمد المعطاوي
قال الشاعر محمد رزيق:
حوريةٌ تسللت بين زبد البحر وأصداف الشط — تُداعب أشعة الشمس– وحبات الملح
جسدٌ غضٌّ طريّ ينساب مع انسياب الموج– يحتفي بلفحات شُعَاع ذهبي — وشوائب البحر تعكسه طعماً أندلسياً
ينسحب بياضُها الى الاختمار– فتَحضُرُ الغرناطية ويحضر زمن الموشح — يهمس حنظلة…..
إنه السرد القصصي ينساب كماء شلال عبر الحروف الغضة والكلمات الطرية للنص، إنها موسيقى القص وهو يتسرب من بين أنامل أفكار الشاعر، القص ذلك المفهوم النثري بامتياز لكنه لصيق بنفس الإنسان منذ القدم، إنه يأتي ليمنح القصيدة أنفاسا عميقة ودلالات أكثر انفتاحا، يأتي ليضخ فيها روح القصة الشفاف
تخيل معي أيها القاريء لذاذة هذه اللوحة، أنت ناشر طولك على الرمل تداعبك أشعة الشمس التي تشبه ولا تشبه إلا الذهب، ناشر خيالك تلتهم بعيونك أخضر الأفق ويابس الأزرق المبثوث أمامك.. – تخيلت؟
ثم يتحرك الموج فتلوح فاتنة، الفاتنة كما تتخيلها أنت في أحلامك، أو وسيما أيتها القارئة كما تتخلين الوسيم في فارس أحلامك (لأن الأذواق تختلف).. – تخيلت؟
إذن، توقف(ي) وتأمل(ي) على ذلك الجسد الفاتن قطرات ماء كلؤلؤات مشبعة ملحا تنساب على تلك الهضاب البهية، وأضف(ي) إلى اللوحة شيء من البياض وشيء من النور على لون الورد الفاتح وألحان موشحا أندلسيا معطرا بعطر غرناطة، غرناطة الجميلة التي تذوب كقشدة، وتفوح براءة كطفولة، غرناطة ذلك الزمان، الزمان العربي، يوم كان للعربي الزمان.. – تخيلت؟
هذا ما أحسست وأكثر وبعمق أكبر، وأنا أقرأ سطور النص أعلاه..من حورية، حتى يهمس حنظلة.. وما رسمت بتخيلنا معا إلا كما تصور الرسوم اليابانية من الجبل القمة والسفح وتترك للقاريء أن يملأ الفراغ في اللوحة، فاملأ أيها القاريء فراغ ما تركت بما تسعفك به باصرتك وبصيرتك.
تقول بروين حبيب في كتابها تقنيات التعبير في شعر نزار قباني: “والقص يستتبع بدوره الحوار وهو ما يقتضي قيامه بين أكثر من صوت داخل القصيدة -وتضيف- والحوار يمنحها -القصيدة- قدرة على التعميق الفلسفي بإيراد الرأي والرأي الآخر”
يقول محمد رزيق:
يهمس حنظلة في أذني: — انظر.. خجلُها ورّدَ وجنتيها — وهي تستبدل يا حبيبي بصغيري،– تبتغي احتواءه، بساعديها، بذراعيها — بخصلاتها المتوجة، وظفيرتها الدامسة — سابحة بنظرات تغوص في الأفق البعيد —
هناك خلف الشفق الأحمر — وهي تودع قرص الدفء الذي تبحث عنه — برتقالية تبدأ مساءَها — فتتيه هائمةً تحدو وقعَ الكلمات — بين نقرٍ على أوتار، أو نفخٍ في ناي — في يراعةٍ او مزمارِ الحياة
عبر هذا المونولوج الذي يهمسه حنظلة في أذن الشاعر الصاغية باهتمام، المشرئبة لسماع المزيد، وكأنه أمام قارئ فنجان، يتلو بتفنن عبر تصوير زاخر بمهارة فن الحكي وصنعة اللفظ، حيث يضع لؤلؤ الحروف إلى جانب فضة الكلمات، إلى جانب ذهب الصورة حتى يحوز البراعة، إنه أشبه بصانع الجواهر تماما، إنها الصورة تذوب في الكلمات تماما كما ذاب تفاح أبي نواس خمرا حين قال ذات يوم:الخمر تفاح جرى ذائبا — كذلك التفاح خمر جمد
مثلما يلتقط اليمام الحنطة من اليد التقط أنا القاريء، أو أنت، كل عزيز من النص متأملا في الحوار والقص، الذي قد يقصد منه بتعبير أحدهم، السؤال والجواب، القول والرد عليه، قد يبقى صوت قراءتنا ضعيف لكن إرادة النص تجعله لا يلين حتى يبلغ النص منا كقراء غايته.
وصفوة القول: إن القص يوفر الجو ويهيء الحوار المناخ، وبهذين الجناحين وباللغة ورقة الخيال ينال النص الاستحسان وينتهي القاريء نشوانا نشوة النعومة والهمس، ولا يغض الطرف طلبا لنشوات أخر، عكس حنظلة الذي يغض الطرف حين تستحيي ولا تبين..
يقول الشاعر محمد رزيق:
تتمدد الحورية بين كفيه — وتتقلب تقلُّب كفيه — تراقص الساقين — وتنفث رشّاتٍ ورشّاتٍ–
فتَصدُر فقاعاتٌ — بها يتحلى الجسد المبلول — ببلورات لؤلئية تطال تضاريس الجسد الممشوق —
كما الثغر يحكي سناها — وتلال الصدر تزاحم شروق القمر– إذ ترسل ومضات وومضات — تستحيي ولا تُبين — فيغض الطرفَ عنها حنظلةُ..

