حنظلة.. والمدينة.. قراءة في نص محمد رزيق الجديد “الملمس الغريني“
سيدتي:
المدينةُ تعشَق عطرَك
وانكساراتُك بين الزقاق
سيدتي،
لها.. يمتشقُ حنظلة
حسامَ العِشق، ويتذرَّع
من سِهام اللِحاظ، ويتيه
في تضاريسك يجلو الخبايا
سيدتي، حنظلة
ينظر الى الوجوه الكالحة،
تسري في غبش الظلمة،
ينحدرون الى معامل الحي الصناعي،
يشمِّرون على السواعد
يُنْتِجون ولا يقبضون،
ينتجون ويعودون منتقعةً وجوههم شاحبةً
يعودون.. ومعهم حنظلة
يديْه الى ظهره يربطها،
كما أراد له ناجي العلي
أعياه الصعود
إلى تلة تملأ عليه الأفق
توسّدها الخد حين استكان
حنظلة، ينعم بغرينية الملمس
بدفء الجلد، بعطر البشرة..
أن تقرأ الشعر مرشوشا بعطر الحرف والحرف قد قدّ من بداهة أنثى، والأنثى كمدينة جميلة تدخلها عاشقا ولا تعود
مدينة جميلة هي البيضاء برغم ما تحمل سيداتها، وأياديها البيضاء من هموم العيش وأحزان الفقر، قال حكيم ذات مرة:” حملت الرمل وحملت الحجر ولم أجد أثقل من حمل الفقر”
مثل هذا لا يوجد إلا في نص من نصوص الشاعر محمد رزيق الذي يحكي الأسطورة التي أبدعها ناجي العلي، أعني شخصية حنظلة..
ولنتذكر أن حنظلة واحدة الحَنْظَل، الذي هو الشجر المُرُّ
وقال الجوهري : حَنْظَلة أَكْرَمُ قبيلة في تميم ، يقال لهم حَنْظَلة الأَكرمون
ويقال أن حنظلة بن صفوان نبي عربي بعثه الله إلى أصحاب الرس أي البئر
هذه الشخصية تحمل ككتاب في طياتها الجانب الحلو المتمثل في الكرم ونقاء النبوة والجانب المر.. مر العيش في عالم يرفع كشعار ما يسمى بنظام التفاهة ولا يرعوي..
عرف بها ناجي العلي في الكاريكاتير ونرى محمد رزيق يطرز بها نصوصه الواحد تلو الآخر إنها تلعب فيها دور المغامر.. ومع كل نص نعيش مغامرة جديدة تحمل معها تحديات جديدة سواء على مستوى الإشراقات التي تجبر القاريء على الوقوف أمامها للتأمل،
يقول: ” سيدتي
المدينةُ تعشَق عطرَك
وانكساراتُك بين الزقاق”
هل تخيلت معي أيها القاريء، مثلي، انكسارات على شكل ظلال لقوام فاتن، فاتن يمشي الهوينى كأن يمشي على الرمش، يمشي في زقاق كزقاق المدق في رواية نجيب محفوظ، ينعكس الانكسار يمينا فيأخذ العطر إلى اليمين وحين ينعكس ذات الشمال ينتشر العطر ذات الشمال
ويقول:” سيدتي، لها.. يمتشقُ حنظلة حسامَ العِشق”
حنظلة الكريم ونقي الجبين عندما يحاور السيدة/المدينة يحاورها بعشق، رومانسي حنظلة في هذا النص، لكن لا ينسى أبدا هموم المدينة وهموم الوجوه الجميلة التي تبني المدينة بلا عوض، تغدو جميلة لكن تروح شاحبة..
يقول:” سيدتي
حنظلة ينظر الى الوجوه الكالحة،
تسري في غبش الظلمة،
ينحدرون الى معامل الحي الصناعي،
يشمِّرون على السواعد
يُنْتِجون ولا يقبضون”
ولا تذكر المدينة الدار البيضاء إلا وتذكر أهاليها بأفراحهم القليلة وبأتراحهم التي تلون مساحات واسعة من حيواتهم الكالحة، الغريقة في أمواج القروض الصغرى والقروض الكبرى، وحدث ولا حرج عن الفوضى وغياب الأمن التي تخترق المدينة بلا رحمة صباح مساء وبالليل.
و حنظلة المتأمل في شؤون هذه المدينة يعود متعبا من كثرة تلك الأحزان التي تلف السواعد التي تذوي وهي تؤسس هذه المدينة كل يوم لكن بلا أثر يذكر، يعود حنظلة إلى غاره المتعطر والناعم المملس الذي انطلقه منه ليجدد ثوب رؤاه لينطلق من جديد.
نص صور المدينة/السيدة من زاوية أنها حضن يأوي إليه المتعب من تأملها، حنظلة، ليجده عندها ومعها العطر الذكي الرائحة والملمس اللدن ومن زاوية أخرى، زاوية الحزن الرقيق الذي تزين به لوحتها إذا ما أراد رساما وضعها في لوحة، اللوحة التي تنتهي تاريخا، التاريخ الذي يحفظ ما هو مدين بوجوده للإنسان لئلا يمحوه الزمن بتعبير أبي التاريخ هيرودوتس.

