حكومة الوعد و الوعيد

حكومة الوعد و الوعيد

مارية الشرقاوي

يعرف المغرب ما يناهز الشهر حملة مقاطعة لثلاثة مواد تحت هشتاج “خليه يريب” ، حملة ما إن انطلقت شرارتها في مواقع التواصل الاجتماعي حتى اندلعت بين صفوف المواطنين كالنار في الهشيم..

 الشيء الذي له معنى واحد، وهو كون شريحة واسعة من الشعب المغربي مكتوية من لهيب الأسعار، سواء الخاصة بالمواد الغذائية أو بالمحروقات..

 وتجدر الإشارة هنا أن الزيادة في أسعار المواد الغذائية و المحروقات عرفت ارتفاعات متتالية  منذ أن قامت حكومة عبد الإله بنكيران برفع الدعم عن بعض المواد في إطار ما أسموه بإصلاح صندوق المقاصة، فحررت الأسعار دون وضع ضوابط لحماية المستهلك

 وفي ظل غياب تام للمؤسسات الموكول لها المراقبة و التتبع كمجلس المنافسة،هذا الأخير أقر رئيسه بأنه معطل و لا يقوم بالدور المنوط به مند سنة 2013 بالإضافة لافتقاره لآليات تفعيل مهامه ،

وهنا نتساءل، كيف لا تعيث الباطرونا فسادا و تجول و تصول كيفما تشاء مادامت الظروف متاحة والأرض خصبة و الحس الوطني غائب ؟
لكن الخطير و الغريب و المستغرب له في آن واحد، هو طريقة تعاطي الحكومة مع حملة المقاطعة ،

 فخلال الصمت ـ المعتاد طبعا ـ من رئيس الحكومة اتجاه المقاطعة، كانت هناك خرجات غير محسوبة لبعض المسؤولين غير المسيسين ، مسؤولون لم يولدوا من رحم النضال، نعتوا من خلالها المقاطعين بأوصاف قدحية من قبيل: “مداويخ” و “جيعانين” الى غير ذلك من كلام غير المسؤول، فكان بمثابة زيت صب على النار فزاد من لهيبها،

 وحينما فكت عقدة لسان رئيس الحكومة و تحدث ، وصف المقاطعين بالمجهولين ، لكن الطامة الكبرى و التي أثبتت بالملموس عدم توفر الحكومة على آليات التواصل مع المواطنين و افتقارها للذكاء السياسي، هي البلاغ الصادر عنها و الملقى من طرف الناطق الرسمي باسم الحكومة أمام الإعلام الداخلي

والخارجي، حيث كان عبارة عن تهديد ووعيد بمتابعة المقاطعين قضائيا والزج بهم في السجن كونهم حسب ما جادت به قريحتهم يروجون أخبارا زائفة عن السعر الحقيقي للمواد المقاطعة ، وهنا أصبح لزاما علينا أن نعرف من يروج الأخبار الزائفة؟ من يخفي الحقائق ؟ و بالتالي من يجب محاسبته؟ 

للإجابة عن هاته التساؤلات سنسلط الضوء على بعض الوعود المدرجة في حصيلة العمل الحكومي التي عرضها سعد الدين العثماني بعد 100 يوم من توليه رئاسة الحكومة ، واختيارنا لهاته الحصيلة بالضبط لم يكن عبثا أو من قبيل الصدفة و إنما لكونها حصيلة اتسمت بالتسويف والوعود لذا، سنحاول معرفة ما تحقق من وعود وما لم يتحقق بعد مرور سنة على عرضها من خلال بعض النقط الواردة فيها :

حكومة منسجمة : أول ما يمكن ملاحظته في العرض الذي ألقاه رئيس الحكومة حول حصيلة عملها بعد مرور 100 يوم من تشكيلها أن ما يناهز ثلثي زمن العرض استغرقه في الرد على من اعتبرهم بالمشوشين على عمل الحكومة قائلا أن الحكومة منسجمة وتشتغل بوتيرة سريعة عكس ما يروج له، و الحكومة أحدثت لهذا الغرض وحدة وزارية ووحدة إدارية لتنسيق العمل الحكومي و الاشتغال في تناغم وتناسق، لكن واقع العمل الحكومي منافي تماما لذلك ، و لعل بعض الخرجات لعدد من المسؤولين تنفي بالجملة أي حديث عن التناسق والتناغم ، بالإضافة لحدث أسال المداد الكثير والمتعلق بتعنت أحد الوزراء وعدم حضوره لمجلس وزاري تعبيرا عن غضبه وعدم رضاه عما قيل في حقه ففضل مواصلة لقاءاته الجماهيرية في حملة انتخابية سابقة لأوانها

 الحكامة : تحدثت الحصيلة عن تعزيز الإصلاح المؤسساتي و إصلاح الحكامة و الإدارة ، وتم تنزيل 65 مرسوم من بينها مرسوم يهم محاربة الفساد ،لكن الواقع و ما يعيشه المغرب هاته الأسابيع دليل قاطع على أن الفساد مستفحل و الباطرونا أكبر مستفيد في ظل شلل مجلس المنافسة وغياب أي حسيب أو رقيب على مستوى الأسعار و الزيادات المتتالية في المواد الغذائية و المحروقات، ولعل التقرير المتعلق بالمحروقات الذي كشف عنه الغطاء أخيرا لخير دليل على الفساد المستفحل ، ناهيك عن خرجة الحسن الداودي الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة ـ يا حسرتاه ـ هذا الأخير لوح بأن شركة الحليب المقاطع ستغادر المغرب بسبب تضررها من حملة المقاطعة التي تهددها بالإفلاس مما قد يهدد آلاف العمال المغاربة بالتشرد الأمر الذي تم تكذيبه من طرف مسؤول بالشركة بل اعتبره كلاما غير مسؤول ، ألا يعتبر هذا خبرا زائفا وتقتضي متابعة مروجه ؟

الجانب الاجتماعي : تحدثت الحصيلة على تشجيع الاستثمار و دعم المقاولة الصغيرة والمتوسطة ، وإصلاح المنظومة التعليمية و تحسين وتجويد الخدمات الصحية لتكون في مستوى متطلبات المواطن المغربي ، وهنا نجيبهم لاشيء تحقق على أرض الواقع فالمغرب يعرف احتقانا اجتماعيا ولعل حراك الحسيمة وحراك جرادة وتداعياتهما تفند ما جاء في الحصيلة وتوضح الفشل الذريع للحكومة في التعاطي مع الشق الاجتماعي ، كما تكفينا فقط إطلالة على مواقع التواصل الاجتماعي لنشاهد فيديوهات تدمي القلب يستنجد من خلالها المواطن بجلالة الملك أو بالمحسنين لتظهر لنا جليا ضعف الخدمات الصحية

 تقوية التواصل مع أسرة الصحافة و الإعلام : لعل رفض العديد من أعضاء الحكومة التواصل مع بعض المنابر الصحفية و مساءلة سعد الدين العثماني للقناة الثانية حول تغطيتها لحملة المقاطعة خير دليل على التواصل مع الإعلام

التشغيل : أكبر خبر زائف هو أن يأتي في الحصيلة أن من أولى اهتمامات الحكومة التشغيل مع العلم أنه يعرف جمودا،

 وحسب إحصائيات المندوبية السامية للتشغيل تعرف البطالة ارتفاعا متتاليا منذ ولاية عبد الإله بنكيران إلى الآن

تقوية الإنصات للمواطنين و معرفة تطلعاتهم : وهنا نقف وقفة تأمل للوضع الحالي و كيفية تعامل الحكومة مع حملة المقاطعة ، فمن وعد بالإنصات اعتبر المقاطعين مجهولين و هناك من بطانته من اعتبرهم جيعانين و مداويخ ، خرجات أثبتت بالعين المجردة أن رئيس الحكومة وأعضاء حكومته ليست لديهم آليات التواصل و الحوار مع المواطنين ومطالبهم ، فكل مسؤول تفاعل مع المقاطعة بطريقته الشيء الذي يظهر جليا غياب انسجام الأغلبية مما يفند ما تفضل بقوله سعد الدين العثماني في حصيلته مما يعني أيضا أنه أدلى بأخبار زائفة و بالتالي نحن من عليهم محاسبته سيما أن الناطق الرسمي باسم الحكومة اعتبر ترويج أخبار زائفة من محددات تحريك المتابعة القضائية و الزج في السجن

اذن ومن خلال ما سبق يصح لنا فعلا وصف حكومة سعد الدين العثماني بحكومة الوعد و الوعيد كونها لم تنفذ على أرض الواقع ما وعدت سواء في برنامجها أو في حصيلتها ، لم تكن في مستوى تطلعات المواطن المغربي و في مستوى الأوراش التي فتحها جلالة الملك، ولعل خطاب العرش لسنة 2017 تقاسم معنا نفس الرأي كون المسؤولين لم يستطيعوا مواكبة وتيرة تطلعات المغرب ملكا وشعبا، حكومة برعت في التهديد والوعيد في تحد سافر لحرية التعبير و تدخل في حرية اختيار المواطن للمواد التي يريد أو يرفض اقتناءها

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *