تأصيل لعادة المغاربة في الإحتفال بعاشوراء و زمزم ..
مصطفى تاجي
تمتد الجذور الشيعية في عمق تاريخ المغرب، وإن كان عدد كبير من المغاربة لا يعيرون الأمر اهتماما، إلا أن التاريخ والحاضر يسجل أن امتداد الفكر الشيعي بالمغرب أعمق مما يعتقد البعض، رغم أن معظم المغاربة الذين يمارسون هاته العادات والتقاليد ليسوا بالضرورة على علم بأنها من أصول شيعية.
تعود الممارسات الشيعية بالمغرب إلى بداية دخول الإسلام تزامنا مع ظهور دولة الأدارسة، وامتدادها مع دولة الفاطميين والسعديين. ولعل أبرزها في التقاليد والعادات المغربية، ذكرى عاشوراء، والأسماء والألقاب وموروثات شعبية أخرى مرتبطة بآل البيت.
فقد أشار الباحثون إلى أن أهل البيت من الأدراسة والفاطميين وغيرهم، حملوا هذه الشعائر معهم إلى المغرب، وهو ما تم الحفاظ عليه بطرق أو بأخرى، وإن اضمحلت المعاني المرافقة لها والعبر الكامنة وراء ذلك، لكن الممارسات لم يستطع الزمت أن يمحوها رغم أنه غير طرق البعض منها، لتصبح في الأخير جزءا من الفلكلور والموروث الثقافي المغربي.
ويضيف الباحثون أن الأمر يتعلق بدق الطبول كاحتفال شيعي، لكن المغاربة يعدون من أكثر الأمم العربية والإسلامية استعمالا لـ”الطعاريج” و”البنادير” أي الدفوف، و”الطام طام”، وغيرها من الآلات الموسيقية. ولعل إحياء ليلة عاشوراء حتى الساعات الأولى من صباح الغد، تزامنا مع إشعال النيران، يستمد جذوره من عمق التقاليد الشيعية في إحياء ليلة مقتل الحسين.
“الشعالة” لهو وسعادة
وحسب إحدى الباحثات العرب في تأصيل الاحتفال بعاشوراء فإن البعض يقولون إن شرعية “الشعالة” منتزعة من أفعال أئمة أهل البيت، ومن تلك المشاهد، إعادة تمثيل حرق خيام الحسين، بعد مقتله من خلال النداء الذي بعثه قائد الجيش الأموي آنذاك عمر بن سعد حينما قال (أحرقوا بيوت الظالمين)، فكان الشيعة بعد ذلك في إيران والعراق والبحرين ولبنان وباكستان والهند وأفغانستان وغيرها من البلدان يعيدون تصوير وتمثيل تلك المشاهد من خلال تأجيج النار لذكرى نار الخيام، حيث بقيت مستمرة في المغرب، وترمز لذات الفعل الذي وجدت من أجله، لتتحول فيما بعد بفعل التقلبات السياسية وانتهاء حكم الفاطميين والسعديين إلى طقوس تعبر عن أجواء صوفية، ولعل ذلك بفضل الخوف من اتهام الحكام بالتشيع. علما أن التشييع بعد الفاطميين أصبح تهمة يعاقب عليها القانون.
ويتم إشعال النار في أجواء احتفالية للنساء والرجال معا، يتحلقون حولها، يستعملون في ذلك كل ما تأتى لهم من بلاستيك، ونفايات وعجلات مطاطية وغيرها، ويقفزون فوقها بسعادة بالغة، في تعبير عن الشجاعة والقوة، مع الإشارة إلى أن أغلبهم يحتفل بـ”الشعالة” فقط بغرض الاحتفال، وليس لمرجع ديني أو غيره، خاصة أن الأطفال والشباب من يقومون بذلك، وهم ليسوا في درجة وعي كامل لإدراك أن تلك عادات شيعية، وإن علموا فإنهم لا يعيرون للأمر اهتماما.
زمزم احتفال شيعي بامتياز
إن الاحتفال بزمزم بالمغرب له جذور شيعية واضحة في الأصل، لكنك إذا سألت أي عائلة مغربية فإنك لن تسمع أمر ارتباطها بالفكر الشيعي رغم تقديس العملية، فقط رش الماء من الأمور الصالحة في يوم العاشر من شهر محرم، والمتزامن مع زيارة القبور، في موسم كبير يعم جل أرجاء المغرب، مشكلا حدثا استثنائيا لا يضاهيه إلا الأعياد الدينية.
وحقيقة الأمر أن الطقس مرتبط ارتباطا وثيقا باستذكار واقعة كربلاء، حينما حرم الجيش الأموي وصول الماء إلى معسكر الحسين، وبقي الأطفال يتلظون عطشا، لتبلغ ذروة توزيع الماء في صبيحة يوم العاشر. وهو ما يجعل البعد الرمزي للواقعة بالمغرب يبقى حاضراً منذ قرون.
وحسب باحثون عن الظاهرة بالمغرب، تتميز الاحتفالات صبيحة اليوم العاشر من محرم في المغرب بطقس التراشق بالماء إلى أقصى درجاته، وهو تعبير عن بذل الماء وإباحته للجميع، فيما يعرف بـ ( زمزم ) حيث يرش الناس بعضهم بعضا بإفراط أحيانا فكأنهم يطفئون لظى النار ولهيبها الذي أججته قتلة الإمام الحسين في قلوب الأطفال والنساء.
وهذا الطقس يعكس بذات الوقت روح الاحتجاج على فعل الجيش الأموي وإمعانه بالتعدي على الحق الإنساني بالحصول على الماء وهو حق لجميع المخلوقات فضلاً عن الإنسان. ولربما يريد الناس من هذا الفعل أن يقولوا أن الماء مباح للصغار والكبار، ومن الخسة أن يحرم منه الأطفال، وهذا الطقس لا يكون إلا في يوم العاشر من المحرم من كل عام حيث يستيقظ المغاربة مبكرا في صباح اليوم العاشر من شهر محرم (عاشوراء) اعتقادا منهم أن من ينشط في هذا اليوم سيكون العام عنده كله نشاط وبركة، وفي بعض المناطق تبادر الأمهات بإيقاظ أهاليهن عن طريق رشهم بالمياه منذ الساعات الأولى من يوم عاشوراء.
وبعد الاستيقاظ، يبدأ الصغار في رش بعضهم البعض بالمياه قبل أن ينتقلوا إلى الجيران وبعدهم المارة عبر الدروب والأزقة، لتبدأ بعدها المطاردات في الشوارع بين الذكور والإناث…
وفي عاشوراء أيضاً تتوجه الأسر إلى المقابر لزيارة موتاهم والترحم عليهم بالرياحين وماء الزهر والورد. وهو ما يضارع فعل الشيعة الآخرين بالتوجه الى قبر الإمام الحسين ونشر ماء الورد على المارة في مواكب تخرج بهذه المناسبة.
أشياء أخرى
يمتد التأصل الشيعي بالمغرب إلى قرون عديدة، لكن المغاربة من الشعوب الفريدة التي نجحت في صهر مجموعة من الثقافات والحضارات المتعاقبة عليها، لتصنع شخصية متميزة، وعادات تروم في مجملها خدمة الآخر والإحسان إليه.
وإن كان جل المغاربة لا يعيرون اهتماما لأصول الطقوس والعادات التي يحرصون على ممارستها في العديد من المناسبات بشكل سنوي، إلا أنهم منفتحون على أشياء عديدة قد تبدو آثارها واضحة لدى الباحثين الأنثروبولوجيين وغيرهم، كحرص المغاربة على أسماء “فاطمة الزهراء” و”علي” و”الحسن” و”الحسين”، واحتفالات وعادات أخرى، ذات أصول شيعية، لكن المغاربة رغم كونهم يفخرون بانتمائهم السني، إلا أن أغلبهم لا يعترف إلا بالإسلام ولا فرق لديه بين المذاهب، وإنما بالأعمال والنيات.
تمتد الجذور الشيعية في عمق تاريخ المغرب، وإن كان عدد كبير من المغاربة لا يعيرون الأمر اهتماما، إلا أن التاريخ والحاضر يسجل أن امتداد الفكر الشيعي بالمغرب أعمق مما يعتقد البعض، رغم أن معظم المغاربة الذين يمارسون هاته العادات والتقاليد ليسوا بالضرورة على علم بأنها من أصول شيعية.

