الشاعر شفيق بوهو.. وشذرة: أحلامي البسيطة كوابيس الآخرين

الشاعر شفيق بوهو.. وشذرة: أحلامي البسيطة كوابيس الآخرين

أحمد المعطاوي

غرد عصفور الشعر عبر صوت شفيق بوهو الشاعر المغربي فشذا لحنا فيروزي المقام، متنبي الهم، معري الإيقاع، نواسي النَّــفس:
“أحلامي البسيطة كوابيس الآخرين،
و لي بينهم أصدقاء
تعبت من الحب و من الصفاء
تليق بي أيضا بعض القسوة لكن،
حانية و إن في خفاء..”

أيها الشاعر الرائي ما أروعها لحظة أبدعت روحك هذا السطر، هذا الكتاب [أحلامي البسيطة كوابيس الآخرين] أقول كتابا لأنها كلمة، فعلا، عرضها سماء وأرض كتاب

أيها البوهو البوهيمي أذكر أن اللغة كانت..
طفلة لعوبا تجعل القاريء يذوب في حيويتها ونشاطها وأنت تمشط خصلات رسم كلماتها، وتمثلاتها وباقي مكوناتها من صوت ودلالة وأهمها المعنى وقد تمثل ذلك في “حانات تستيقظ باكرا في رأسي” ديوانك الأول/بوح الأول/سفر خروجك الأول 
اللغة الآن أضحت غادة ترقص بين أصابع خيالك والوجدان، غدت تطاوع ألحان ناي المعاني لديك، وباتت تسطع كبرق بين غيوم أحلامك البسيطة التي هي كوابيس الآخرين بتعبيرك الأخاذ الذي أشرقت به شذرته، أعلاه، المكتوبة بحرارة من دخل هاديس وعاد بقبضة من عشق عاصف.. كحب من النظرة الأولى تراك أورفيوس بلا يوريديس عاد هو.. وعدت بشذرة مثقلة بالمعنى على المعنى ككروم مثقلة بالأعناب

قال أحدهم :” كلما كانت المعاني غزيرة ودقيقة كلما برهنت عن التقدم..” وعودا على الشذرة نراها فاضت معاني.. ومن فضاء المعاني التي تشع إشعاعا من شمسها المشرقة إشراقا، نراك كم تجاوزت لغتك السابقة وصورك، دفقك، قاموسك السوابق.. تجاوزتك، كما تتجاوز المفاهيم الجسد والفرد من غير مفارقة في فلسفة دولوز .. أي انعكاس لك عليك كوعي الذي هو الذات التي تعود إلى الوراء مسافة لترصد المعنى كما يقال.. أي انعكاس لك عليك أيها الذي تعب “من الحب ومن الصفاء”.. وهل يتعب قلب الشاعر من الحب ومن الصفاء حقا؟ إذا كان آخر من يتعب من الرجل قلبه فكيف بالرجل الشاعر، فلا عقله ولا قلبه يتعبان أو يموتان وإن مات الجسد/ الجثة، لقد كتب عليه النبض إلى يوم البعث 
تذكر: ليس عاديا أن تكون شاعرا إنه اصطفاء، فأنت رسول.. قيل كن شاعرا فكنت، فكيف يتعب قلبك الكبير وإن من الحب وإن من الصفاء، إنه-الشعر- لا يتعب لديه المرسلون

الشاعر ابن الشعب ومن الشعب انبثق وتنبثق أحلامه البسيطة، كما ينبثق الشذى من الورد، أحلامه التي هي أحلام الشعب المغربي والعربي لأنك مغربي يا شفيق بوهو وعربي وما عساها تكون هذه الأحلام؟ إنها الحرية، الكرامة والعدالة.. أليست بسيطة؟ نعم لكنها كوابيس في ليالي وأيام من بزمامهم الأمر، من بيدهم السوط كما سطرت وإن كانوا أصدقاء حتى- قال أرسطو ذات يوم: يا أصدقائي ليس هناك صديق- ومن بني جلدة هذا الشعب على طول مساحة الوطن الكبير الذي يعيش (عيشة الذبانة في البطانة) كما غنى ذات مرة ناس الغيوان

إنها أيها البوهو ككوابيس الحجاج بن يوسف يوم قتل سعيد بن جبير، قتل سعيد عندما لم يرض بغير حريته وكرامته، رضي بالموت مرة واحدة وترك للحجاج الموت آلاف المرات بالكوابيس التي باتت لا تفارقه.. والآن كل الشعب سعيد وإن كان يموت بالتقسيط بيد الآخرين هؤلاء المصاصي الدماء، لكن يبقى الشعب شوكة في حلوقهم عالقا، عائقا.. يبقى حتى لا يستسيغوا طعم الدماء، يبقى الشعب بأحلامه البسيطة كما وصفت أيها الشاعر كوابيس على كوابيس لهم.. وأنت تطلب بعض القسوة فأنت عزيز النفس أيها الشعب ، أو إذا كتبتها حروفا ترفرف كرايات تلك التي هي أحلامك البسيطة.. على القسوة أن تكون حانية حنو صفعة والد، لا صفعة جلاد.. وقرصة أم فاضت بالغضب، لا عضة ماص دماء..

وإذ أختصر أقول:
لا بادية الرأي أو الحق أو القوة أو الشعرية شذرتك ولا أنت إلا شاعر ناري المعاني ورائي من وراء حجاب أيها البوهو شفيق، كنت في هذه الشذرة أكثر إبداعا وأكثر إمتاعا ومؤانسة بتعبيرة أبو حيان التوحيدي.. وفقط قد يهنأ هؤلاء الآخرون في نومهم -لا أنامهم الله- إلا إذا اقتدوا بإمبراطور الصين، ومحوا أحلامك تلك الأنهر البسيطة، أيها الشاعر/الشعب، كما محا هو النهر من الصورة المعلقة في غرفة نومه لكي يستجدي النوم كما جاء في كتاب “حياة الصورة وموتها” لريجيس دوبري ترجمة فريد الزاهي .. وأنى لهم ذلك، فالأحلام كالماء.. والماء كالحق يمحو ويعلو ولا يعلى عليه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *