الحكامة و “أمية الدولة”

الحكامة و “أمية الدولة”

عصام خربوش باحث في علم الاجتماع السياسي

إن الحكامة ليست نظرية مجردة، لأنها تتوقف على الإرادة السياسية ووضع الأدوات القانونية مع بناء المداخل المؤسساتية التي تقود صوب تثبيت هذا النهج، الذي بات يفرض ذاته في تدبير الشأن العام على عدة مستويات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، من أجل تحقيق تنمية شاملة ومستديمة تضمن رفاهية العيش للمواطنين وكرامتهم الإنسانية، في كنف مبادئ ذات طابع كوني يتعين الالتزام بها لاسيما من طرف الدول النامية التي تتخبط في مشاكل تنموية متعددة، جعلتها تتأخر عن ركب التقدم العلمي والتكنولوجي وتنشغل بقضايا لم يعد لها أثر في الدول المتقدمة

لعلها صورة واضحة حول هول التحديات القائمة أمام بلدان لا تزال تتلمس طريقها إلى بلوغ مستويات تنموية أفضل من وضعيتها في الظرفية الراهنة، والأهم من ذلك، هو أن خروجها عمليا من مأزقها وتحقيقها لأهدافها الكبرى والصغرى يمر عبر اعتمادها للحكامة، لكن هناك أولويات مفصلية ومتلازمة يبدو بعضها بسيط من واجهته، أما جوهره فهو شائك ومركب، وهي الحالة التي تطرحها علاقة الحكامة بالأمية في المغرب، البلد النامي والمطالب بتسريع وتيرة دوران عجلة التنمية

قد نذهب إلى حد القول، أن النظر إلى الأمية من زاوية الحكامة، يقتضي وضع الأمي في موقع يفضي إلى نتائج باهرة، كرؤيته بعد تحرره من الأمية مسؤولا سياسيا أو قادرا على الإسهام في تعميق النقاش العمومي حول قضايا وهموم الوطن، وهو ما يمكن أن يجعل جيوش الأميين يتحولون إلى قوى فاعلة في المسار التنموي، ويضع بالمقابل حدا لما يمكن اعتباره ” أمية الدولة “

فبدلا من تصدي البلد إلى شبح البطالة والفقر والسكن، …، تجد نفسها أمام مشكلة أمية الملايين من المغاربة وانعكاسات ناجمة عنها تؤثر على جوانب أخرى.

كما نستنتج من خلال الربط بين الحكامة والأمية، ضرورة تطعيم البرامج المعتمدة في هذا المجال، بالأسس المعرفية الأولية على الأقل، خصوصا منها تلك التي تتيح للمستفيدين الإدراك الجيد لمداخل مشروع الحكامة وأبعاده المتعددة، ولأدوارهم ووجباتهم باعتبارهم شركاء في القضايا الوطنية الكبرى، كتخليق الحياة العامة، إقرار مبدأ المحاسبة بدلالاتها المختلفة، المشاركة عبر هيئات المجتمع المدني في أوراش التنمية،…

أي، ينبغي تكريس محو الأمية حسب هذا التصور كعمل مسؤول، لا ينظر إلى الظاهرة بوصفها عائقا يهم مجموعة من الأفراد حرموا من حقهم في التعليم فقط، وإنما كمشكلة مجتمعية يؤدي انتشارها بين كم هائل من المواطنين إلى ما تجدر بنا تسميتها ” أمية الدولة “، وهي واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد مستقبل التنمية على عدة أصعدة، وتحول دونها في الكثير من الميادين، لأن الحكامة تستلزم الاستفادة من جميع الإمكانيات والطاقات البشرية التي كلما كانت متوفرة ووازنة، تعززت فرص نجاح مشروع الحكامة. 

هذا حال المغرب الحقيقي بعدما أضاع الكثير من الوقت للقضاء على الأمية، ثم وجد نفسه هنا وسط حلقة مفرغة، وكيفما كان الحكم على التجربة المغربية لن يفيد كثيرا، على الرغم من أهمية التقدير الدقيق للظرفية الراهنة، وكل التراكمات المتعلقة بها سواء كانت إيجابية أم سلبية، فالتحدي القادم في علاقته بالحكامة والأمية، ينتظر مواطنا قادرا على أن يكون فاعلا في الاستحقاقات الوطنية الحاسمة والمناسبات التي تصادفه خلال حياته اليومية وداخل أسرته، وأثناء تعامله مع القوانين التي تخاطبه والخدمات التي تقدمها الإدارة العمومية وعند أدائه لواجباته وممارسته لحقوقه المشروعة.

وذلك معناه أن مشروع الحكامة لم يكن رهانا يطمح المغرب إلى بلوغه أو لا ينظر إليه بالجدية التي تسمح بمعالجة جذور إكراهاته مثل الأمية، ويفسر تغييب الحكامة في تدبير ملف محو الأمية الذي يظل من أقدم الملفات ضمن تدبير الشأن العام، مما يدل على تقبل الفشل والإقرار الضمني” بأمية الدولة”.
فالعبرة ليست بزخم المؤسسات التي تعاقبت على الملف، وإنما بالنتائج التي لم تبلغ المستوى المطلوب، وبالتالي القضاء التدريجي على الآفة

ولو تم استثمار الوقت الطويل الذي ضاع لكان المغرب اليوم منشغلا أساسا بما هو أهم، وقادرا على تجاوز تحديات العصر الجديد، ومنافسة الدول التي تقدمت وتفوقت عليه بفضل كفاءة مواردها البشرية، اجتماعيا واقتصاديا وتكنولوجيا.. علما أنه يتوفر على ثروات طبيعية هامة ورصيد حضاري متميز وتراث ثقافي غني. وهو عامل لم يخدم التنمية بما يكفي، ليس نتيجة إساءة الاستغلال فحسب، لأن للعامل البشري دور محدد يزكيه كأداة وغاية لهما بعد اقتصادي واجتماعي وبعد سياسي…

وبالتالي نصل إلى كون مستقبل التنمية المأمولة بالمغرب ظل متوقفا على قضية مصيرية، تدفع في الاتجاه الذي نستنتج معه أن الفضل في تعليم بعض المتعلمين كان ثمرة عرق أميين استفاد المغرب من حصاد جديتهم، لكن حقهم في التعليم ضاع، وعاشوا طوال حياتهم أميين دون التفاتة رد الجميل المفترض للذين ضحوا لكي يتعلم غيرهم الأمس واليوم

لقد كان المغرب بلدا فلاحيا معظم مواطنيه أميين وسكان بوادي، أي أن الأمية ارتبطت بمسار بناء اقتصاد البلد ومؤسسات الدولة، الأمر الذي أفرز واقعا معقدا ومشاكل ضخمة ومتعددة، وعليه، نستخلص أن معالجة الأمية سهلة أكثر بفضل الحكامة كآلية لتدبير هذا المجال، لأن صعوبتها تعود أساسا إلى التداخل بين الأمية ومعضلات أخرى كالتهميش والهشاشة ومشكلة المواطن مع المشاركة السياسية وإكراهات البناء الديمقراطي السليم وحقوق الإنسان… 

هذا الواقع يدعو إلى التحلي بروح الجدية في تعاطي المجتمع المدني مع الأمية والاتفاق مع مكوناته الأساسية التي اختيرت منها الجمعيات كشريك محوري للدولة في تصديها للأمية. ولما لا البحث عن شريك آخر غيرها أو ينضاف إليها. 
وهكذا وبعد أن خاض المغرب ولا يزال يخوض في تجربة طموحة تحت عنوان المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومر عبر محطات بمثابة مداخل تنموية وانفراجات في المنظومة الحقوقية وإصلاحات ديمقراطية، بدت في الأفق ملامح التماس بين الحكامة ومحو الأمية رهانا حقيقيا. ولعل إحداث الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية هو آخر مؤشرات السير في هذا الاتجا

ولما كان محو الأمية ليس غاية في حد ذاتها، فإن الحكامة في التجربة المغربية تحولت بالفعل إلى وسيلة ولم تعد مجرد هدف، لذا يكفي أن تتكرس كآلية يجري التقيد بمبادئها من أجل إبراز فرص حقيقية للتنمية والقطع مع الأمية حتى لا يتكرر إنتاج الفشل كما حدث في السابق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *