الإنحياز العشوائي
بقلم : حمزة الفضيل
يعيش شباب “الألفية الثالثة” اليوم تحت وقع فوضى معرفية عارمة .. تجعله ينساق أمام كل فكرة “جديدة” ، وصار “البوز” “موضة العصر بامتياز” هو الشغل الشاغل لهؤلاء ، و بات لديهم “مخالفة السائد” غاية في حد ذاته وليس نتاج لعملية من البحث و التمحيص الجاد .. وستكون متخلفا و رجعيا في نظره إن لم تنجرف وراء هذا الهمج الذي يكتسي “جبة” معرفية ، كجبة الساحر التي يخفي تحتها فخاخه و مقالبه ..
لست أرى بأسا في أن يكون للشاب منا نظرته الخاصة للأمور ، مادامت المنطلقات معرفية محضة .. المشكل يكمن فيما لو كان المنطلق عبثيا ، ويصير الشخص يتلهف خلف شهوة الأضواء و لفت الإنتباه ..هنا نحيد عن المسار الصحيح ، و هنا تسقط إدعاءات الكثير منا ..ويظهر أن همنا ليس معرفيا بقدر ما هو [انحياز عشوائي] لاختيارات تستند إلى “غرض ما” في نفس من ينحاز..بعيدا كل البعد عن الموضوعية ، التي هي من مقتضيات المعرفة الرصينة و الفكر الرزين.
في خضم الثورة المعرفية التي طبعت العالم قبل عقود طويلة.. لا يمكن لأحد أن يدعي -مهما كان متابعا ، ومهما كان قارئا نهما- أنه يستوعب هذا الحجم من المعرفة التي ينتجها البشر كل يوم .. هذه الوثيرة اللامتناهية في التسارع ، تقتضي منا فعلا نقيضا إذا أردنا فعلا أن نصل إلى حقائق رصينة ، المعرفة السريعة تقتضي التؤدة في التفكير..التريث في اتخاذ القرار وتبني القناعات ..وحتى لو فرضنا أن شخصا اختار خيارا صحيحا يتطابق مع الحقيقة ..فإن قفزه على جملة من المعطيات و المعارف .. يجعل من حقائقه (التي نفترض جدلا أنها حقائق) لا تكاد تقف على أساس متين..وسرعان ما تذروها الرياح في أول اختبار معرفي بسيط .
يسجل المتتبعون اليوم أن العلم يتضاعف بشكل سريع غير مسبوق ..من أول معلومة اكتسبها الإنسان الأول ..كل ذلك العلم ، تُنتج البشرية ضعفه في ساعات معدودات .. ومن ضمن ما يعني ذلك ، أن جزءا كبيرا من المعرفة التي تعبنا من أجل اكتسابها ، يطرأ عليها التقادم وتصير علما قديما ..هذا لو كنا حقا نتابع عن كثب الدوريات العلمية العالمية ، ونقرأ كل ماتطبعه مطابع أوروبا و اليابان و أمريكا .. وعلى اطلاع تام بتقارير المختبرات العلمية العالمية .. وهذا أمر محال ، وبالتالي فحتى تلك المعرفة التي سرى عليها التقادم ، لم نكتسبها ولم تخطر لنا على بال أصلا ..
وبقدر ما أقف منبهرا أمام هذه المعطيات ، وأرفع رأسي إلى السماء ، وأطلق آهات طويلة : ياااااااااه ، كم أنا لاشيء أمام كل هذا الأفق العلمي المتسع..بقدر ما أتعجب من العجرفة و “النزق” الفكري للبعض ..ويجعلني أتساءل : لم كل هذه السطحية ؟ لم المخاطرة ؟ لم القفز في الهواء ؟؟ ..فتيان في عمر الزهور ، يحسمون في قضايا تحتاج سنيـــــنا من البحث ، يحسمون فيها في نصف ساعة ..يكفيهم شريط على اليوتيوب لا تتجاوز مدته 30 دقيقة ..بل إنهم لا يتعبون أنفسهم في مشاهدة 30 دقيقة أخرى لشريط آخر يطرح الفكرة النقيض .. وقد يتعلق الأمر بأسئلة وجودية حارقة ..تتطلب جهدا ذهنيا عاليا للإجابة عنها ، وتحمل في طياتها إشكالات فلسفية موغلة في التعقيد و التدقيق..
لأجل هذا أسميت فعلهم أعلاه بالإنحياز العشوائي.. وهنا أستعير وصفا دقيقا لأحدهم يوم نعت أمثال هؤلاء بـ”المنتحرين معرفيا“.
إننا نعاني اليوم أكثر من أي وقت مضى ، من قوم تملكتهم دغمائية حادة ..يتبنون المواقف القطعية ، التي لا تقبل الجدال ..بشكل مغرق في التضييق و التطرف ..و رفض الإطلاع ، والإنفتاح على الباقي .. بحجة “نحن مُلاك الحقيقة” (بضم الميم وتشديد اللام).. شيء مثير للإستغراب ذاك الحس القطعي لدى البعض في تعامله مع حيثيات هامشية تحتمل كثيـــــرا من الليونة و النسبية .. ما أغباه من موقف !!
إن من الوفاء للعلم و للمنهج ..أن نضع آراءنا ، مجملها ، كلها ..تحت مجهر الإختبار ..هذا لو كنا فعلا كما ندعي .. أن نضعها أمام معارف مناقضة ، أن نختبر صحتها بجدية بالغة ، قد تُفضي إلى زلزلتها ونسفها كليا ..يجب أن نكون مستعدين لذلك ..ألسنا ندعي أننا نفكر بطريقة حرة ؟؟ .. إن كنا كذلك ، فلم كل هذا التخوف من مواجهة وجهات نظر مخالفة لما نتبناه ؟؟ ..
أعود لأقول أن اختياراتنا غالبا ما تكون مجرد انحيازات عشوائية.

