إضراب المحامين ضيّع ويُضيع حقوق المتقاضين والحكومة تتفرج
دخل المحامون بالمغرب في إضراب عن العمل خلال شهر كامل، ومع تعنت الحكومة في الجلوس إلى طاولة المفاوضات دخلوا في إضراب مفتوح نتيجة مشروع تنظيم المهنة الذي تقدمت به وزارة العدل، واعتبروه وصاية غير مسبوقة على مهنة المحاماة.
إضراب المحامين أَضَرّ ولازال يُضرِّ بشكل كبير بحقوق المتقاضين الذين تضيع حقوقهم لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، وحتى الشركات والتجار.. سواء في الجلسات بكل أنواعها، أو في التقديمات أمام النيابة العامة.. وأوقع شللا تاما بالمحاكم.
هناك قضاة يراعون هذه الضرورة ويقدرون ظروفها، ويؤجلون الملفات – ويشكرون على ذلك لأنهم يريدون حماية حقوق المتقاضين – ومنهم دون ذلك..
لكن عندما تكون هناك حقوق للمواطنين تضيع، من المسؤول؟ في هذه الحالة، إنها وزارة العدل ومعها الحكومة، لأن تدخلها ليس ترفا، وإنما واجب وضرورة ملحة بشتى السبل، لأنها هي المسؤولة عن ضمان حقوق المواطنين، وإلا عليها تقديم الاستقالة.
هنا لا نقول عليها أن تخضع، ولكن عليها إيجاد حلول للمتضررين من هذا الإضراب، وإذا لم تستطع، عليها الجلوس إلى طاولة المفاوضات، فلا يعقل أن يدخل المحامون في شهر من الإضراب والوزارة ومعها الحكومة تدسان رأسيهما في الرمال وكأن شيئا لم يحصل.
لنفرض جدلا أن المتضررين خرجوا بدورهم للشارع لأنهم لم يعودوا يتحملون هذا الضرر، أكانت الحكومة ستبلع لسانها كما هو الوضع حاليا؟ طبعا لا، وإذا كان كذلك فعليها أن تتدخل وبسرعة لحل المشكل الذي افتعلته هي وليس أحد غيرها.
ومن جهة أخرى، دعونا نناقش الأسباب، وزارة العدل ومن يقف خلفها، قاموا بمشروع جديد اعتبروه ينظم مهنة المحاماة، وبدراسته دراسة متأنية، نجد أنه قانون “الوصاية” التامة على المهنة، وأن النقباء لم يعد لهم أي دور، رغم أنهم منتخبون، وأن الوزارة هي من تتدخل وتوجه المحامي منذ مرحلة حصوله على شهادة الأهلية إلى أن يصبح مقبولا لدى محكمة النقض، وحاصرته بمجموعة من القوانين الذي تجعل منه محامي طالب، أو تلميذ؟
وزارة العدل عندما انفصل عنها القضاة والنيابة العامة – نقول انفصل وليس استقلال لأن الاستقلال بعيد المنال على الأقل في الوقت الراهن – وجدت نفسها عبارة عن هيكل لم يعد به إلا كتابة الضبط، فالتجأوا إلى المحامين وأردوا إدخالهم إلى بيت الطاعة عبر تكبيلهم بمجموعة من القوانين التي هي في الحقيقة وصاية كاملة الأركان، ومن حق المحامين أن ينتفضوا ضد استهدافهم.
تم لماذا لايتم فرض حتى 10% من هذه القوانين على القضاة مثلا، فهل يعقل أن يكون لدينا في المحاكم قضاة سنهم 25 سنة، هل هذا يستقيم و هل من المنطقي؟ وهل معقول أن يظل سن الأعلى لولوج إلى مهنة القضاء 30 سنة، في الوقت الذي يجب أن يبدأ سن الولوج إلى المهنة ابتداء من ثلاثين سنة، وليس هي آخر سن كما في مصر والعديد من بلدان العالم؟
أليس أجدر بالحكومة إعادة صياغة القانون الأساسي لمهنة القضاة، لأن الأمر يتعلق بقضاة يصدرون أحكاما تتعلق بحقوق غير قابلة للإصلاح في حالة كانت غير عادلة؟ وبحقوق تضع حدا لحريات الأشخاص وبيع ممتلكاتهم… في حال كانت غير عادلة؟
الحكومة التجأت إلى الحيط القصير، المحامون الذي لا يصدرون أحكاما وإنما يدافعون عن حقوق المتقاضين..
على من يقف خلف هذا أن يتقوا الله في المتقاضين الذين وجدوا أنفسهم ضحية حكومة لا تبالي بهمومهم ولا مشاكلهم، وأن يجلسوا إلى طاولة المفاوضات، لأن القاعدة تقول: ما لا يؤخذ كله، لا يترك جله، الحوار أخذ وعطاء وليس عض اليد ومن يصيح أولا.
ملاحظة: مع الأسف، هناك وسائل إعلام و حتى الإعلام العمومي تدس رأسها في الرمال و كأنه لاوجود لشلل تام في المحاكم، ولاوجود لإضراب المحامين؟ ولا وجود لضياع حقوق المتقاضين..

