صراع الأمل والضياع ( إضراب الأساتذة)

صراع الأمل والضياع ( إضراب الأساتذة)
شيماء شخار باحثة في سلك الدكتوراه شعبة القانون

يطول الحديث اليوم في الإذاعات التلفزية وفي الجرائد والمواقع الإلكترونية وفي العديد من المنصات الوطنية والدولية عن إضراب  الأساتذة واحتجاجاتهم والمطالب التي ينددون بها، وكذلك الحكومة التي كانت ولازالت تدعو النقابات إلى طاولة الحوار، حوار في آونة لم تعد تتحمل الحوارات أو النقاشات بقدر ما هي في حاجة ملحة إلى قرارات حاسمة ومقنعة وفعالة و…و…. و… وهذا غيض من فيض.

الموضوع يجتاحه الكثير من النقاشات والغموض، مطالب استمرت لسنوات طويلة حول نظام التعاقد والزيادة في الأجور، إلا أننا اليوم أمام النقطة التي أفاضت الكأس، ألا وهي النظام الأساسي الذي لا يخدم الأستاذ ولا يتوافق مع متطلباته ولا يسد احتياجاته، وبين حكومة تدعي بأن النظام ما هو إلا طريق من أجل التغيير ورسم منهج يتوافق وتطلعات المستقبل، وبأن النقاط التي تم إدراجها ليس بالضرورة أن تطبق بحذافيرها بقدر ماهي إضافات لسد بعض الفراغات.

واضح جدا أن الحكومة اعتمدت سياسة الترقيع، لأن التبريرات التي بدأت تخرج بها كفيلة للإجابة عن بعض التساؤلات، من بين المواد المثيرة للجدل هي: المهام الجديدة المسندة للمدير، وهنا كان جواب الوزير المعني على إثر تصريحه لإحدى الإذاعات، بأن الأمر فقط كتابة وليس بالضرورة أن يقوم بما أسند إليه وأن يراقب ويقيم الأستاذ أثناء مزاولته لعمله، والعديد من النقاط التي أجابت عنها الوزارة المعنية بأسلوب وبطريقة لا تتماشى مع هذه الوضعية الراهنة.

إن السؤال الجوهري  والمنطقي اليوم والذي لم يأخذ نفس الصيت ، هو مصلحة التلاميذ في هذا السيناريو الطويل، تلاميذ من كل الفئات والمستويات الدراسية يعيشون في دوامة الذهاب والإياب إلى المؤسسات بدون تفسير أو تبرير أو شرح يتماشى مع سنهم ووضعهم الإجتماعي والثقافي، تحت طائلة التعويض المباشر وتمديد السنة الدراسية لتدارك ما فات، هذا التدارك الذي يخدم مصلحة طرف على حساب الآخر، لأن الحوار القائم اليوم يدور حول عنصرين: الأستاذ و الحكومة، وإهمال قوي للتلميذ ورغبته وتقبله للوضع الراهن والحلول المقترحة، لأن التمديد وإن كان حلا وحيدا تفاديا لسنة بيضاء، إلا أنه حل تعجيزي يصعب العمل به لمواكبة الامتحانات الجهوية والوطنية وتمكين الطلبة الممتحنين وطنيا بالإلتحاق بالمدارس العليا ومسايرة الامتحانات الدولية لجامعات أخرى .

تفاصيل وحيثيات قد تغير من مسار التلاميذ وتؤثر سلبا على مستقبلهم ومخططاتهم، ولا نرى اليوم أي حديث أو ترتيب في هذا السياق، لأن التلميذ هو الطرف الضعيف في حلقة الجميع يخدم لمصلحته.

مشهد يتكرر هو الأخر أمام أعيننا  أباء وأمهات خرجوا للشارع بشعارات ومطالب متفرقة هدفهم الأسمى هو عودة أبنائهم إلى طاولات المؤسسات واستكمال مشوارهم الدراسي، الأمر الذي استنكره بعض الأساتذة تحت طائلة أن ما يقع اليوم هو ضرورة ملحة لردع الحكومة ووضعها أمام التهديد، إلغاء النظام يقابله العودة الى الأقسام  .

الغريب أيضا في ظل الاضراب الذي يعيشه المغرب لأكثر من شهرين هو سلوكات الأطفال الذي يحمل فيها الأستاذ لأولياء الأمور الحق بالكامل، لكن لا أحد ينكر دور المدرسة في التربية والتعلم، الأمر فعلا مرعب ومخيف سواء ما يقع على المواقع الالكترونية وكذلك في الشارع، لدرجة أن المسيرات التي تنظم من طرف الأساتذة بدأت تعرف حالة السرقة من طرف أطفال مكانهم الأصلي في هذه الظرفية الزمنية هي المدرسة.

الكل أجمع أن قطاع التعليم شأنه شأن قطاع الصحة يشكلان العمود الأساسي لمجتمع سليم، لكننا اليوم نعيش خللا كبيرا قد يؤدي بمنظومة بأكملها إلى طريق لا تحمد عقباه.

    1. يتطلب تحديث المدرسة المغربيّة، و بكُل إلحاح، إعادة النظر في دور هذه المؤسّسة العمومية في اتجاه تقوية إشعاعها وإبراز مكانتها، من خلال إصلاح شامل للمنظومة التربويّة و التعليميّة المُهترئة و المُتجاوَزة و الباليَة.. لا بُدّ من إعادة الاعتبار للمُربّي، الذي يُعتبَر قُطب الرَّحى في كلّ فِعلٍ تربويّ و تعليمي، و ذلك بتحسين أوضاعِه المادِّيّة و المَعنويّة لأداء رسالته النبيلة والجسيمة المُلْقاة على عاتِقه ، لأنه يؤدي أصعب مهمّة و أخطرَها، وظيفة تربية النشء والأجيال المُستقبليّة التي يُعوِل عليها المجتمع في تنمية البَلد. و من واجب السلطات في المغرب أنْ يسهرَ على تطوير هذه المَدرسة كي تُخرِّجَ أجيالاً مُتسلحةً بالمعارف الحديثة، المَبنية على مختلَف صُنوف العلوم المُتطوِّرة و التكنولوجيات العصريّة، بُغيةَ مُسايَرة ركْب الأمم المُتبَوِّئة للمراتِب العُلا في مُختلف الصّناعات و التكنولوجيّات الحديثة، في الطبّ و الهندسة و الاكتشافات و الاختراعات… التي تُيسِّرُ انخراطها في الحياة العامة والإسهام في عملية تنمية بلدها في كلِّ المَجالات و الميادين، وذلك من أجل ضمان ربح الرهان في عالم مُتغيِّرٍ في كلّ لحظةٍ و في كلّ زمان، عالمٍ مُتجدِّدٍ يسير بوثيرة سريعةٍ جدّاً في التنمية و الازدهار و التقدّم..
      خُلاصَة القوْل: إنّ المغرب في حاجةٍ ماسّة إلى مَدرسة عمومية تُعيد الثقة للأسر المغربية، وتكون فضاء جذابا ومستقطِباً للتلميذ، مدرسة عمومية تتوفر على بنيات تحتية جيدة، وتقل فيها الإكراهات والصعوبات التي يعاني منها نظامنا التعليمي منذ عقود (الهذر المدرسي، الرسوب، الاكتظاظ ، التكرار الأمية) .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *