المتذمّر الكبير
جاءني ذات يوم وقال: “هناك معرض فني دولي في هولندا، فرصة ممتازة للعرض والاحتكاك بفنانين من أنحاء العالم”.
قلت له: “فكرة رائعة”.
قدمنا طلب المشاركة، وبعد أشهر من الانتظار، جاءت الموافقة، فشدينا الرحال بسيارته.
رحلة طويلة حوالي 900 كيلومتر، لكن الطريق أشبه بنزهة مصورة جميلة وممتعة، طرقات نظيفة، طبيعة خضراء تخطف الأنفاس، واستراحات كأنها فنادق صغيرة، فيها كل ما يخطر على بالك… حتى حمامات للاستحمام بالماء الساخن!
أما هو، فكان يرى الأمور بمنظار خاص: منظار التذمر الشامل.
الشاي حار أكثر من اللازم، الهواء رطب، السيارات تمشي بسرعة، أصوات العصافير مزعجة، و”ليش الحمام فيه مرايا كثيرة؟!”
كل خمسين كيلومترا كنا نأخذ استراحة قصيرة، وأظنه كان يعتقد أننا في رحلة تعذيب، وليست سفرة فنية.
لم يتوقف عن الامتعاض، وكأن بينه وبين السعادة خصومة قديمة لا تنتهي.
ولم يكتفِ بذلك. إذ تعكر مزاجه أكثر، وهو يتقن فن تعكير مزاجه بنفسه، فبدأ بإطلاق سيل من الشتائم، بعضها يصل إلى مراتب “الابتكار اللغوي”، وبعضها الآخر يدخل في باب الكفر الصريح… وكل هذا في حضور نساء وأطفال، وطيور مهاجرة أيضًا.
نبهناه كثيرا، وذكرناه أن بعض الكلمات لها عواقب، لكنه كان يعيش في حالة تذمر دائم، كأن الحياة مدينة له، و لم تدفع له فواتير الراحة بعد.
والمصيبة أنه ساخط على كل شيء، على زوجته، أولاده، شغله، بيته، الطقس، الأصدقاء، وحتى على البلد الجميل الذي يقيم فيه.
أما الأشخاص الذين يعجب بهم، فهم من النوع الذي تتجاهله الحياة عمدًا حفاظا على توازنها النفسي، باختصار أنهم أتفه القوم.
وصلنا أخيرا إلى مدينة المعرض، على الحدود الألمانية الهولندية.
استأجرنا شقة صغيرة عند عائلة ألمانية لطيفة، تبعد عشر دقائق فقط عن موقع المعرض.
حملنا لوحاتنا وتوجهنا إلى المكان، وهو مبنى تاريخي كان مصنعا للأسلحة في زمن هتلر. ربما أراد المنظمون تحويل طاقة الدمار إلى طاقة فن… لا بأس بالفكرة.
عند الاستقبال، سلمونا خارطة توضيحية: لكل فنان مكانه الخاص، مرقم ومرتب.
أنا وجدت نفسي في موقع ممتاز، بالقرب من المدخل، حيث يمر أغلب الزوار.
أما هو…نتيجة سخطه وتذمره، فكان نصيبه زاوية خلفية ضيقة في طرف المعرض، بجانب مخرج الطوارئ ومطفأة الحريق.
وكما يقول الله سبحانه ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا )
عندما رأى موقعه، تحوّل من حالة “تذمر متقدم” إلى “انفجار نووي”.
بدأ يصرخ: “ليش أنا هناك؟! ليش مو يمك؟!”
ثم أتبعها بجولة من الشتائم، بعضها موجه للبشر، وبعضها الآخر كان يعلو إلى مستويات سماوية لا تغتفر.
طلب مني أن أذهب معه لرئيس المعرض لأترجم له، فذهبت.
الرجل كان لطيفا ومتفهما.
قال لنا: “انتظروا للغد، ربما يعتذر بعض الفنانين فنغير مكانه.”
طبعا هو لم ينتظر، بل قضى الليل يشتم، يلعن، ويعيد ترتيب لائحة الكائنات التي يكرهها… وأظن أنه وصل في القائمة إلى كل ما بالكون.
في صباح اليوم التالي، كنا أنا وزوجتي نجلس أمام لوحاتي، حين أتى ومعه فنانة شابة كانت بجواره في العرض.
قال لي: “تعال، ترجم لي، يبدو أن هناك شخصا مهتما بلوحاتي.”
ثم غير رأيه فورا: “لا، لا، خلي زوجتك تترجم، هي تتحدث الهولندية.”
اجتمعنا نحن الأربعة، وهو ينتظر خبرا مهما، والفنانة تبتسم بلطف وقالت:
“هذا الصباح جئتُ لأخبرك بشيء سعيد.”
زوجتي بدأت تترجم. الكل يترقب: خبر جميل؟ مديح؟ جائزة؟ دعوة لعشاء فاخر؟
ثم قالت الفنانة:
“رئيس المعرض بحث عنك صباحا، وقرر نقلك إلى مكان أفضل لعرض لوحاتك.”
الفرحة غمرت الجميع، الفنانة كانت تنتظر منه كلمة شكر، ابتسامة، دمعة امتنان، أي ردة فعل بشرية طبيعية.
لكن ما حدث كان شيئا آخر تماما.
نظر إليها، تنفس بعمق، ثم أطلق من فمه صوتًا لا يمكن وصفه إلا بأنه “انفجار صوتي مُهين للهواء” طيييييييط
أشبه بـ”ضرطة مكبوته من زمن الحرب العالمية الأولى” خرجت من فمه من عمق الرئة، محملة بكل خيبات القرن الماضي.
الفنانة تجمدت، ثم اختفت سريعًا دون أي تعليق .
لم تقل شيئًا، لم تودعنا، فقط اختفت.
وأنا متأكد أنها الآن، بعد كل هذه السنوات، ما زالت تخضع لعلاج نفسي ..وترتجف كلما سمعت هذا الصوت.
الدرس:
بعض الناس لو أُهديت لهم القمر، سيشتكون من لونه الباهت، ويقترحون أن يُطلى بالأزرق البحري.
أما هذا الصديق، فهو باختصار:
أيقونة عالمية في فن التذمر… لو وُجد معرض لهذا النوع من الفن، لحاز على الجائزة الأولى.
بعض الناس تنثر الفرح والطاقة الايجابية، والبعض تخصص طاقة سلبية دائمة.

