مقاطعة منتوجات استهلاكية بين الفعل وردوده وحتمية التعقل

مقاطعة منتوجات استهلاكية بين الفعل وردوده وحتمية التعقل

عبد الكريم جبراوي

نادى رواد العالم الافتراضي الأزرق بمقاطعة ثلاث منتوجات مطالبين بخفض أسعارها بعدما صار الغلاء في حد ذاته يهدد معيشة غالبية الشعب ، وتنامت حملة المقاطعة واتخذت أشكالا تعبيرية متعددة منها تبرير الغلاء ما بين الكلفة وثمن البيع وهوامش الأرباح ، واتسع نطاق المقاطعة ليتعدى صيتها حدود الوطن ويشارك فيها حتى مغاربة الخارج بالتعليقات وبالمقارنة من أسواق وأثمنة المنتوجات الشبيهة في تلك البلدان مع ما هو عليه الحال في المغرب ..

   وتعدت المقاطعة في عدة حالات حالة المقاطعة للمنتوج كمقاطعة إلى حالات الشخصنة بالنظير وبمقاطع تركيبية فيها أحيانا تجريح وتقريع ، خصوصا بعدما طلع بعض المدافعين عن الشركات الثلاث – سواء كان الدفاع من منطلق الانتماء أو الانتفاع أو بغاية صب الزيت على النار الموقدة – وأطلقوا عبارات وصفية في حق فئات عريضة من الشعب المغربي اختارت أسلوبا معينا للاحتجاج الحضاري ضد فاتورة الحياة والعيش الكريم ، فكانت عبارات ” المداويخ ” و ” الخونة ” والقطيع ” ، وحتما كانت ردات الفعل أقوى من المتوقع ما دامت أغلب النعوت تلك أطلقها ” منتخبون ” ضد الهيئة التي انتخبتهم كتعبير ” لا إرادي ” ناطق بلسان الحال ، وكان على ” المقاطعين ” تقبلها بصدر رحب ما دامت ” الدوخة ” هي التي جعلت تصويتهم اختيارا لهم في غفلة واستغفال بوعود انتخابية متبخرة ، وما دامت لا حق للضعيف في مواجهة القوي أو المستقوي ” ، وما دام ” القطيع ” مفروض فيه طاعة الراعي في توجيهه قسرا نحو ” المرعى ” الذي يختاره الراعي حتى وإن كانت في المرعى ذئاب متربصة ..

   أما المصلحة الوطنية التي ينبغي الحرص عليها فهي ليست بالوعد والوعيد ، وليست من باب الحجر على الآخر ، وإنما هي دراسة المطالب في عقلانيتها وقابليتها للترجمة والتفاعل والتجاوب معها وفق ما تقتضيه المصلحة الحقيقية للوطن وفق منطق ” رابح رابح ” بعيدا عن تكريس ” الأنا ” بفرض منطق ” رابح خاسر ” الذي يسعى فيه كل طرف إلى محاولات فرض قراراته وتصوراته بمنطوق القوة والإجبار ، ثم إن الكل يعرف أن القانون يحاكم ويعاقب القاتل والسارق والمعتدي ، ومن ثم فمفعوله سار دون إشهار ورقته كحركة وكفعل غير محسوب النتائج وردود الفعل ..

   فعلى علب السجائر مثلا عبارة ” التدخين مضر بالصحة ” و ” التدخين يقتل ” وهي عبارة ضمنية للإقلاع عن التدخين تتضمن التوجيه الضمني لمقاطعة السجائر ، والخمور بشتى أنواعها أيضا منتوج مغربي وطني يساهم في اقتصاد البلاد في منطوق قوانين البلاد ” يباع لغير المسلمين ” بينما يلقى القبض على مشتريه وشاربه ويحاكم ويسجن ، وهو في الحقيقة ليس من المسلمين إلا نعتا بحكم الازدياد والتنشئة والعيش في بلد دستوره ينص على الإسلام دينا للدولة التي تحرم وتجرم قتل ” الخنزير ” الحيوان المحرم شرعا في الإسلام أكل لحمه على المسلمين حتى وإن عاث في حقولهم ومزارعهم فسادا ..

   وعلى مر الزمن غير البعيد وجه بعضهم بعدم شراء الياغورت وتعويضه بـ”الرايب المنزلي ” ، وآخر ” أوصى ” بالاستغناء عن الخبز واستبداله بـ” الرغائف المنزلية ” أيام مطالبة أرباب المخابز بالزيادة في ثمن الخبز ..

   إن مقاطعة منتوجات لمدة معينة يمكن تفسيرها أنها تستهدف مراجعة أسعارها وتخفيضها من خلال وضعها في إطارها المعقول الذي لا يضرب القدرة الشرائية للمواطنين ولا يعطي هامش ربح مضغوط ومنحصر في 0,20 فرنكا ما بين الاقتناء بـ2,80 وبيع بـ7,00 دراهم وباستنتاج أن كلفة ” التصنيع ” ضعف ثمن الاقتناء ، مثلما لا يتقبل ارتفاع الثمن عالميا بزيادة لا يوازيها مقدار النقصان العالمي بقيمة ما ينقص ، أو عندما يصير منتوج ترخيص لاستغلال ثروة وطنية يباع بثمن شبه تعجيزي للمستهلك من ذات الوطن ، وبالتالي فإن ما هو أكثر إضرارا بمصلحة الوطن هو ضرب القدرة الشرائية ذاتها على اعتبار أنها هي المحرك الرئيسي لكل رواج اقتصادي متى كانت في وضع سليم وليست على ميزان اجتماعي مختل ، كما أن المصلحة العليا للوطن هي في التماسك الاجتماعي لكل مكونات الوطن شعبا ( كهيئة ناخبة ) وحكومة ( كهيئة منتخبة ) تقوم على أساس الدفاع عن مصالح الوطن والمواطنين من مفاهيم أنه لا وطن بدون مواطنين ، وأنه لا يجوز إطلاقا أن يكون هناك صدام من أي نوع كان ولو على مستوى التنابز ، والانكباب على إيجاد الحلول الناجعة بما تقتضيه حتمية التعقل ..  

Jabraoui2013@yahoo.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *