إزعاج مجاني

إزعاج مجاني
فائق العبودي

 

في الأيام الماضية انشغلت كثيرًا مع ابنتي وأحفادي الذين جاءوا إلينا من السويد. خرجنا معًا كثيرًا، وكانت فرصة جميلة بالنسبة لي للتجوال والخروج قليلًا من عزلتي التي اخترتها لنفسي منذ سنوات.

لا أخفي عليكم أنني في السنوات الأخيرة ابتعدت كثيرًا عن الناس، صرت أحب الوحدة، وأجد راحتي في عالمي الخاص، بين الرسم وتصميم أغلفة كتب الأصدقاء. لكن حضور ابنتي وأحفادي أعادني، ولو مؤقتًا، إلى حياة مختلفة: خروج، تجوال، مطاعم، أحاديث، وضجيج الأطفال الذي لا ينتهي.

استمتعنا بوقتنا معًا، رغم نزق الأولاد الذي لا يعجبهم شيء تقريبًا. كنت أقول لهم، مازحًا وجادًا في الوقت نفسه: عليكم أن تذهبوا إلى غزة، وتعيشوا قليلًا كما يعيش أطفال غزة، حتى تعرفوا قيمة النعم التي أنتم فيها.

في صباح أحد الأيام قرروا الذهاب إلى جنيف، التي تبعد عنا نحو خمسة وستين كيلومترًا بالسيارة. رحبت بالفكرة، لكن لسبب آخر أيضًا.

في اليوم السابق، وصلتني رسالة من صديقة فنانة وموسيقية تقتني أكثر من عشر لوحات من أعمالي. نعم، جدران بيتها مخصصة تقريبًا للوحاتي، ولذلك تسمي بيتها مازحة: «متحف فائق العبودي».

اتصلت بي تطلب مني تغيير لون إطار آخر لوحة اقتنتها. كان الإطار أسود، ويبدو أنها لم ترتح إليه.

قلت في نفسي: فرصة جميلة للذهاب إليها، وزيارة لوحاتي، والقيام بالمطلوب.

وفعلًا، تركنا الأولاد في مسبح البحيرة، وذهبنا إلى بيت الصديقة كاترين. كانت تستعد لأمسية موسيقية، ولذلك لم أجلس معها طويلًا. أخذت اللوحة معي إلى البيت حتى أغيّر لون الإطار.

بعدها عدنا إلى الأولاد، وكانوا جائعين جدًا.

ذهبنا إلى مطعم أحد الأصدقاء العرب. وهناك وجدت والد صاحب المطعم. كان الرجل قد صبغ شعره بلون أسود فاحم.

سبحان الله العظيم، الفنان الكبير اختار لنا ألوان شعرنا، وجعلها تتغير مع أعمارنا، فهو من جعل لكل مرحلة لونها وشكلها المناسب. ثم يأتي الإنسان أحيانًا ليعيد رسم اللوحة بنفسه، فيغيّر هنا ويضيف هناك، وكأنه يريد أن يصحح عمل الفنان الأول.

وطبعًا، الناس أحرار، وكل إنسان يفعل بشعره ما يشاء. لم تكن لدي أي مشكلة مع اختياره، ولم أعلّق عليه أصلًا.

تناولنا طعامنا، ثم قمت لأشكر صديقنا صاحب المطعم. كان والده يقف إلى جانبه. وهذه كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بهذا الرجل، ولم يكن بيننا أي موضوع سابق أو معرفة.

لكنه حاول أن يفتح معي حديثًا، ولم يسعفه اختياره كثيرًا.

أنا، كما يعرفني من يعرفني، شعري طويل وطبيعي، ولم أصبغه طوال حياتي. وإذا بالرجل ينظر إلى شعري ويقول:

«مطوّل شعرك حتى تبدو أصغر عمرًا؟»

نظرت إليه وقلت:

«أبدًا. شعري طويل طوال حياتي، ولم أطله يومًا لأبدو أصغر سنًا».

والحقيقة، أن تجربتي الشخصية تقول العكس؛ فالشعر القصير، في رأيي، يجعل الإنسان يبدو أصغر سنًا من الشعر الطويل.

لكنني، في تلك اللحظة، لم أستطع إلا أن ألاحظ المفارقة. الرجل الذي أعاد رسم لون شعره بالأسود الفاحم، رأى في شعري الطبيعي الطويل محاولة مني لأبدو أصغر عمرًا!

لم أقل له ذلك طبعًا.

بعض الملاحظات لا تحتاج إلى جواب؛ يكفي أن تتركها تمر.

الحقيقة الرجل كان قد نجح في إزعاجي قليلًا. ربما لأنني لم أطلب رأيه، وربما لأنني بطبيعتي لا أحب أن يتدخل أحد في تفاصيل تخصني، وربما لأنني بعد سنوات من العزلة أصبحت أقل استعدادًا لتحمل ذلك النوع من الأحاديث العابرة التي يظن أصحابها أنها لطيفة، بينما هي في الحقيقة ثقيلة على الطرف الآخر.

لاحظت زوجتي انزعاجي، فقالت لي:

«الرجل أراد أن يفتح موضوعًا معك، لكنه لم يعرف كيف يبدأ. بعض الناس لا ينتبهون إلى ما يقولون».

فكرت في كلامها، ووجدته منطقيًا.

ربما كان الرجل حسن النية فعلًا. ربما أراد أن يتحدث معي فقط، ولم يجد موضوعًا أفضل من الشعر. وربما لم ينتبه أصلًا إلى المفارقة التي جعلتني أبتسم في داخلي.

وهذه إحدى غرائب العلاقات بين الناس: أحيانًا لا يحتاج الأمر إلى خلاف أو سوء نية كي ينزعج الإنسان. تكفي جملة صغيرة، يقولها شخص لا يعرفك، في مكان عابر، وفي لحظة عابرة.

خرجنا من المطعم، وانتهى الأمر.

لكنني ظللت أفكر في الحكاية. في شعري، وفي شعر الرجل، وفي العمر الذي نحاول جميعًا بطريقة أو بأخرى أن نتعامل معه.

ربما علينا أن نقبل اللوحة التي رسمها لنا الفنان الكبير، ونترك لها حقها في أن تتغير مع الزمن.

فالعمر ليس عيبًا يحتاج إلى إخفاء، والشعر ليس مشروعًا لإقناع الآخرين بأننا ما زلنا في عمر آخر.

أما بالنسبة للرجل، فقد سامحته سريعًا.

فهو، في النهاية، لم يفعل أكثر من محاولة فاشلة لفتح حديث.

لكنني اكتشفت مرة أخرى أن بعض الناس يوزعون الإزعاج مجانًا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *