جماعة الاعتراض الدائم

جماعة الاعتراض الدائم
فائق العبودي

 

هناك فئة من الناس، – والحمد لله إنها أقلية – لا تستطيع أن ترى شيئًا يمر أمامها بسلام. ترسل لهم موضوعًا، فيقرؤونه لا بحثًا عن الفكرة، ولا عن الفائدة، وإنما بحثًا عن “الثغرة” التي يمكن أن يبدأوا منها درسهم اليومي في النقد والتصحيح.

وهؤلاء عندهم موهبة عجيبة: أنت ترسل لهم صفحة كاملة مليئة بالأفكار، فيتركون كل شيء، ويمسكون بكلمة واحدة، أو فاصلة، أو صورة.. ثم ينطلقون منها وكأنهم اكتشفوا خطأ تاريخيًا سيغير مستقبل البشرية.

بالأمس مثلًا، أرسل لي أحد الأصدقاء أربعة اعتراضات دفعة واحدة. قلت في نفسي: ما شاء الله، يبدو أن الموضوع يحتاج إلى مؤتمر علمي ولجنة مناقشة!

ثم اكتشفت أن ثلاثة اعتراضات كانت على صورتي: شعري “كفشة”، أي منفوش، والنظارات سوداء، وربطة العنق لم تعجبه!

يعني الرجل لم يترك لي إلا أن أتنفس!

أما شعري “كفشة”، فقلت في نفسي: ما شاء الله، كأنه يراجع صورتي قبل أن أتقدم للزواج!

يا أخي، أنا أرسلت لك موضوعًا، لا صورة لطلب يد!

أما الاعتراض الرابع… فكان على العنوان!

بقي أن يقول لي: أما مضمون الموضوع، فسنناقشه في الاجتماع القادم!

وبيني وبينكم، سترني الله منه، عندما قال: أنه مشغول في السوق.

والأجمل من ذلك، أن بعضهم لا يكتفي بالنقد، بل يشعران عليه واجبًا مقدسًا في التعليم والتصحيح.

كتبت مرة دعاء ختمته بعبارة: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، فجاءني التصحيح بكل ثقة: “نبينا، وليس سيدنا”، و (سيدنا) إقراراً بفضله واحتراماً لمقامه الكريم.

قلت في نفسي: الحمد لله، لقد انتهى موضوع الدعاء كله، ولم يبق إلا أن نقيم لجنة لغوية لتحديد اللقب المناسب!

لكن أغرب اعتراض مر علي، كان من صديق طلب مني بكل جدية أن أرسل له “جمعة مباركة يوم السبت”!

والسبب؟ لأنه يتلقى يوم الجمعة رسائل كثيرة جدًا!

هنا فعلًا، لم أعرف ماذا أفعل!!!. هل أرسل له جمعة مباركة يوم السبت؟ أم أقول له: حاضر، سأرسلها لك يوم الأحد حتى تكون بعيدًا عن الزحام؟

أحيانًا أشعر أن الحل مع هؤلاء ليس الرد، بل أن نضع أيدينا على رؤوسنا ونقول: يا رب، الطف بنا!

ومرة أرسلت دعاء يخص إخواننا في غزة، فجاءني تعليق من صديقة: لماذا أرسلت لي ذلك؟

فقلت لها بكل هدوء: “عفوا، بالخطأ، أعتذر منك.”

وأغلقت الموضوع.

ليس لأنني لا أملك جوابًا، وإنما لأنني تعلمت أن بعض النقاشات إذا بدأت، فقد تحتاج إلى لجنة تحقيق، ومحضر جلسة، واجتماع آخر لمناقشة نتائج الاجتماع الأول!

والحقيقة أن النصيحة الجميلة مرحب بها، والتصحيح المحترم محل تقدير، والنقد البناء شيء نحتاجه جميعا. فالإنسان لا يرى عيوبه كلها، ومن الجميل أن يجد من ينبهه إليها بمحبة.

لكن هناك فرق بين من ينصحك لأنك مهم عنده، ومن يبحث عن أي شيء يعترض عليه لأنه لا يستطيع أن يمر على منشور دون أن يضع بصمته النقدية عليه.

ولحسن الحظ، فان هؤلاء ليسوا إلا أقلية، وصرت أعتبرها دعوة للخلاص منهم سريعاً.

اما الايجابيون الجميلون، فهم كثر، وهم الذين يجعلون التواصل الاجتماعي أكثر لطفًا. أولئك الذين يقرؤون، فيبتسمون، ويشجعون، ويختلفون بأدب، ويضيفون شيئًا جميلًا بدل أن يبحثوا عن شيء ناقص.

إلى هؤلاء أقول: تحية كبيرة لكم.

أنتم الذين تجعلون الانسان يحب أن يكتب ويشارك، لأنكم تفهمون أن وراء كل منشور انسانا، وليس مجرد ورقة امتحان تنتظرون تصحيحها.

فليس المطلوب أن نوافق على كل شيء، ولا أن نسكت عن الخطأ، ولكن أن نختار الكلمة الطيبة، وأن نترك للناس مساحة من المحبة قبل أن نفتح عليهم باب النقد والتصحيح.

“وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن” “الاسراء: 53”

فالكلمة الطيبة لا تكلف شيئًا، لكنها قد تجعل يوم إنسان أجمل.

أما جماعة الاعتراض الدائم، فنقول لهم: شكرًا على الملاحظات… سنفتح لها ملفًا خاصًا، ونحدد موعدًا للاجتماع لمناقشة إمكانية الرد عليها!

والحل الأمثل مع جماعة الاعتراض الدائم؟ حذفهم من قائمة المراسلات والتخلص من الصداع قبل أن يبدأ!

والمفارقة الأجمل، أنك بعد حذفهم تكتشف أنهم لم يسألوا أصلًا عن غيابك، ولم يفتقدوا رسائلك… وكأنك كنت ترسل لهم فواتير الكهرباء!

والحمد لله أنهم أقلية، وتحية كبيرة للإيجابيين الجميلين الذين يجعلون التواصل معهم راحة لا معركة.

في الآخر: إرضاء الناس غاية لا تدرك.

دمتم بألف خير، وإيجابية جميلة، كما أرواحكم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *