أعلام في الذاكرة: العلاقات المغربية البرتغالية بعيون أكاديمية موضوع ندوة علمية بالرباط

أعلام في الذاكرة: العلاقات المغربية البرتغالية بعيون أكاديمية موضوع ندوة علمية بالرباط
ذة. حسناء رسلان

 

نظمت جامعة محمد الخامس بالرباط، بشراكة مع مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم، ندوة علمية دولية ضمن سلسلة “أعلام في الذاكرة”، خُصصت لموضوع “العلاقات المغربية البرتغالية بعيون أكاديمية”، بحضور ثلة من الباحثين والمؤرخين المغاربة والبرتغاليين، في لقاء علمي أعاد فتح ملفات الذاكرة المشتركة بين الضفتين المتوسطية والأطلسية، واستنطق الأرشيفات الإيبيرية لإعادة قراءة التاريخ المغربي البرتغالي خارج القراءات التقليدية والمركزية الأوروبية.

الندوة شهدت مشاركة أكاديميين وباحثين متخصصين في التاريخ والعلاقات المغربية الإيبيرية، من بينهم أحمد بوشرب، وفرانسيسكو مارتينيز، ويوسف أخميل، ومحمد أوبيهي، إلى جانب حضور أكاديمي وثقافي وطلابي وازن.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد ضفير الكتاني نائب رئيس جامعة محمد الخامس، أن العلاقات المغربية البرتغالية لا يمكن اختزالها في بعدها التاريخي فحسب، بل ينبغي فهمها باعتبارها فضاء للتبادل الفكري والثقافي والسياسي الذي ساهم في تشكيل المجال الأورو-متوسطي عبر قرون طويلة. كما شدد على أن الجامعة لم تعد فضاءً لنقل المعرفة فقط، بل أصبحت فاعلا أساسيًا في إعادة التفكير في السرديات التاريخية وبناء رؤى جديدة للحوار الحضاري.

من جهته، أبرز محمد الدرويش رئيس مؤسسة فكر للتنمية والثقافة الثقافة والعلوم أن هذه الندوة تأتي امتدادًا لمسار علمي وثقافي دأبت المؤسسة على تنظيمه منذ سنوات في إطار سلسلة “أعلام في الذاكرة”، مبرزًا أن العلاقات المغربية البرتغالية تمثل نموذجًا غنيًا لتقاطعات التاريخ والذاكرة والتراث على المجالين الأطلسي والمتوسطي، خاصة في أفق التحولات الثقافية والجيوسياسية التي يعرفها الفضاء الإيبيري-المغاربي، والاستعداد المشترك لتنظيم كأس العالم 2030.

و اعتبر عميد كلية الاداب و العلوم الانسانية زكرياء بودحيما، أن دراسة العلاقات المغربية البرتغالية تتيح فهمًا أعمق للتحولات الحضارية التي عرفها غرب المتوسط، مؤكدًا أن الإرث الأندلسي والتداخل الثقافي واللغوي بين العرب والأمازيغ والإيبيريين يشكل جزءًا من ذاكرة مشتركة ما تزال آثارها حاضرة إلى اليوم في اللغة والعمران والعادات والتقاليد.

وشكلت مداخلة المؤرخ المغربي أحمد بوشرب إحدى أبرز لحظات الندوة، حيث قدم قراءة تاريخية وأرشيفية معمقة للعلاقات المغربية البرتغالية، مستندًا إلى عقود من الاشتغال داخل الأرشيف البرتغالي.

وأكد المتحدث، أن المغرب كان عنصرًا أساسيًا داخل بدايات “العولمة الأولى” خلال القرن الخامس عشر، موضحًا أن الموانئ المغربية، خاصة آسفي وأزمور و مازغان، لعبت دورًا محوريًا في الشبكات التجارية التي ربطت البرتغال بغرب إفريقيا والهند وأوروبا الشمالية.

كما شدد بوشرب على أن الأرشيف البرتغالي يظل مصدرًا أساسيًا لفهم مراحل دقيقة من التاريخ المغربي، خصوصًا الفترات التي تعرف ضعفًا في المصادر المحلية، داعيًا إلى تكوين جيل جديد من الباحثين المغاربة القادرين على الجمع بين المعرفة التاريخية وإتقان اللغات الإيبيرية وعلوم قراءة المخطوطات القديمة.

وفي السياق ذاته، قدم الدكتور محمد أوبيهي قراءة نقدية لكتاب “تاريخ جديد للمغرب والبرتغال بين القرن الثامن عشر والعشرين”، مبرزًا غناه المنهجي وتعدد لغاته ومقارباته، إضافة إلى اعتماده على وثائق وأرشيفات برتغالية وإسبانية متنوعة. كما توقف عند الأبعاد الثقافية والأنثروبولوجية التي تناولها الكتاب، ومنها تأثير المطبخ المغربي في الثقافة البرتغالية، وحضور “الكسكس” باعتباره أحد تجليات الذاكرة الغذائية المشتركة بين الضفتين.

من جانبه، أوضح الباحث البرتغالي فرانسيسكو مارتينيز أن المشروع العلمي المشترك بين الباحثين المغاربة والبرتغاليين انطلق من جامعة إيفورا بالبرتغال، وهدف إلى إعادة قراءة العلاقات المغربية البرتغالية باعتبارها “هوامش متشابكة”، حيث امتزج القرب الجغرافي بالابتعاد السياسي، واستمرت التبادلات الثقافية والتجارية رغم التحولات الدولية الكبرى التي عرفتها المنطقة.

أما الباحث يوسف أخميل، فقد أكد أن هذا المشروع الأكاديمي يسعى إلى تجاوز المركزية الأوروبية في كتابة التاريخ، من خلال استثمار الأرشيفات الإيبيرية وإعادة قراءة العلاقات المغربية البرتغالية من “الضفة الأخرى”، داعيًا إلى تعزيز التبادل الببليوغرافي والعلمي بين الجامعات المغربية والبرتغالية.

ولم تقتصر الندوة على العروض الأكاديمية، بل شهدت نقاشًا مفتوحًا وتفاعليًا بين الباحثين والحضور، حيث أثيرت أسئلة مرتبطة بالتأثيرات اللغوية والثقافية المتبادلة بين العربية والأمازيغية والبرتغالية، وبالذاكرة البحرية المشتركة، إضافة إلى قضايا الأسر والعبودية والتوسع البحري خلال العصر الحديث، ودور المغرب في بدايات النظام التجاري العالمي.

كما دعا عدد من المتدخلين إلى توسيع الاهتمام بالدراسات البرتغالية داخل الجامعات المغربية، وتجاوز مركزية محور الرباط–الدار البيضاء نحو الجهات الأخرى، مع تعزيز تكوين الباحثين الشباب في اللغة البرتغالية والأرشيفات الإيبيرية.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أن العلاقات المغربية البرتغالية لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها تاريخًا للصراع أو التنافس، بل أيضًا كتاريخ طويل من التفاعل الحضاري والتبادل الثقافي والإنساني، وأن إعادة استكشاف هذا الإرث المشترك تمثل مدخلًا أساسيًا لبناء شراكات أكاديمية وثقافية أكثر عمقًا بين الضفتين في المستقبل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *