سر مُحرج

سر مُحرج
فائق العبودي

في قلب أوروبا، حيث الثقافات المتنوعة، وجدتُ نفسي أتجول بين قصص الناس الذين جمعتني الصدف معهم، كل واحد يحمل معه أفكاره، وعاداته التي تشكل حياته.

لم تكن صداقاتي عادية، فقد جمعتني الأيام بأشخاص من ديانات مختلفة، مسيحيون، يهود، هندوس، وحتى أتباع طوائف غريبة يعتقدون أن قائدهم ملاك نازل من السماء.

وذات يوم، وبفضول كبير، قررت أن أعيش تجربة خاصة مع صديقة تنتمي إلى طائفة غريبة تؤمن بأن شخصًا ما في الهند هو من يأخذ بأيديهم إلى الله، “محطة الشحن الروحي” التي تمدهم بالطاقة الإيجابية كما يعتقد أعضاء هذه المجموعة، منهم أطباء ومحامون، ورؤساء بنوك…. و..و..و . 

ذهبت معها يوماً عندما جاء الهندي “الشاحن الروحي” إلى سويسرا،  دخلت القاعة حيث جلس العشرات من الأوروبيين في حالة اشتياق لبطلهم الذي كان يجلس متربعًا على كرسي مزخرف وسط القاعة، واضعًا قدميه المتشققتين فوق بعضهما في وجوه القوم، ووسط دخان البخور المتطاير الذي عطر الأجواء،  اصطف الجمع طوابيرًا كي يمسح على رؤوسهم بيده الكريمة، ثم قال: “نبدأ”.

فردد القوم وكأنهم مجموعة كورال مسحور:

 “نبدأ”.

جلسوا أرضاً، وأغمض الجميع عيونهم في صمت، أما أنا فبقيت أراقبهم كأنني أشاهد فيلمًا وثائقيًا عن طقوس غريبة.

بعد أقل من عشر دقائق تقريباً انتهت الجلسة، وعاد الجميع من “رحلتهم الروحية”، ثم وُزِّعت عليهم حبوب حلوى صغيرة، جاء بها من الهند، تذوقوها بشغف، وأصدروا أصوات مضغ لم أسمع مثلها من قبل، حرف الطاء كان يتراقص بين الألسن( طططط).

سألتُ صديقتي:

 “بماذا تشعرين؟”، فقالت:

 براحة نفسية، كل الطاقة السلبية خرجت مني!.

 ثم سألتني: وأنت؟. فقلت:

بصراحة، أنا كنتُ أراقبكم، وكنت أرى الطاقة السلبية تتطاير من رأسك، اسمحي لي أسال و بتعجب.. هل أنتم عقلاء؟ هذا الهندي يضحك عليكم، إنه غباء، يأخذ أموالكم ليبني مشاريع في الهند، وأنتم هنا تظنون أنكم تحلقون في الهواء!”.

فقالت: أفهمك، صعب أن تفهم ذلك من أول مرة، تحتاج إلى وقت.

– نعم .. معك كل الحق، ولكن سأبقى لا أفهمك، ولا أفهم.

 صديقتنا الأخرى  “كرستين”، الفتاة المثقفة التي تعشق الفنون، والثقافات المختلفة، وتحب الأجانب، شقتها كانت أشبه بمركز ثقافي عالمي، شقة عبارة عن أربعة غرف، تعيش في واحدة منها، وتؤجر الباقي، مما جعل بيتها يعج بشخصيات من مختلف الخلفيات، والثقافات.

وهنا تبدأ القصة الصادمة…

أحد النزلاء دخل الحمام، فوجد “طاسة” نحاسية جميلة، مزخرفة بنقوش هندية، فتوَلَدت لديه رغبة غريبة، وبدأ يملأها بالماء، ويشرب منها كل يوم،  أعلن فيما بعد أن طعم الماء كان “مختلفًا” بعض الشيء، وظن ذلك بسبب النحاس.

وفي إحدى الجلسات الجماعية، قال بسعادة: أحب أن أشرب الماء بتلك “الطاسة” النحاسية في الحمام، كلما دخلت، أشرب بها، رغم أن طعم الماء غريب لكن شكلها يعجبني كثيراً!.

في تلك اللحظة، صعقت “كرستين”، لكنها تماسكت، وحاولت تجاهل الموضوع.

 وبعد أيام، لم تعد تستطيع كتم السر، فاعترفت لصديقتها بأن تلك الطاسة لم تكن مخصصة للماء، بل كانت تبول  فيها “كرستين”.. نعم تبووول فبها، ثم تخلط البول بالماء، وتمسح به جسدها كنوع من العلاج الطبيعي! ( حلووووو ).

بعد ما سمعت “كرستين” القصة منه، أخفت الطاسة النحاسية، وكأنها لم تكن موجودة من الأساس، أما صديقنا الذي اعتاد على شرب “حمض البول” بها، فقد استفقدها، وأخذ يبحث عنها في كل مكان.

كرستين، أين الطاسة؟

يسألها كل يوم، محاولًا الوصول اليها.

لا أعرف… ربما رماها أحدهم.

ترد وهي تحاول عدم النظر في عينيه.

لكن مع مرور الأيام، لم يهدأ، بل أصبح يسأل النزلاء واحدًا تلو الآخر، يفتش في المطبخ، يتفحص الرفوف، بل حتى نظر في سلة المهملات. بدا عليه أنه دخل مرحلة “الحرمان”، وكأنه فقد كنزًا روحانيًا، (صار عنده إدمان)!.

وأمام هذا الضغط غير المتوقع، قررت “كرستين” أن تحلّ المشكلة بطريقة دبلوماسية، أخذت الطاسة، عقّمتها جيدًا بالماء المغلي والمعقمات، ومسحتها حتى أصبحت تلمع كما لو أنها خرجت للتو من المصنع.

وفي يوم عادي، أعادتها إلى الحمام بهدوء… لكنها قررت شيئًا مهمًا: لن تستخدمها أبدًا في طقوسها الغريبة بعد الآن! لقد أصبح لهذه الطاسة وظيفة جديدة تمامًا… وهي أن تبقى هناك، فقط من أجل “صديقنا المخلص”!

وهنا سؤال يحشر نفسه: هل صديقنا المدمن سيستمع بالطاسة المغسولة والمعقمة؟!!

عيش وشوف…

ولله في خلقه شؤون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *