حال المدرسة بين اليوم والأمس، مع دور الإستشاري النفسي

حال المدرسة بين اليوم والأمس، مع دور الإستشاري النفسي

الحسين الدومي: استشاري نفسي

    إن المتأمل اليوم  لحال واقع المدرسة المغربية، لن ينتظر طويلا حتى يصف لنا بحسرة مايجري داخلها، ويتمنى بشكل أو بآخر، لو عاد شأنها كما كان عليه في الأمس القريب والجميل ..

فالأصل في المدرسة أن تخرج لنا مواطنين صالحين، مسلحين بالأخلاق والمعرفة، لكن  ما نراه اليوم خلاف ذلك ، فالمدرسة اليوم متهمة بكونها مرتع لاحتضان كل أشكال السلوكات المنحرفة ، فيكفي أن تمر بإحدى المدارس وتقف لدقائق ، لترى مظاهر وسلوكات لا علاقة لها بوظيفة المدرسة ،

 فالمدرسة طريق لا بد منه وهي من محددات وركائز البناء الحقيقي والسليم ، فحالة اللاتوازن التي تتسم بها المدرسة تستدعي منا  التدخل العاجل لعلاج الداء ، هذا الداء الذي استشرى بشكل رهيب ولعل من أسوأ نتائجه حالات العنف المتكررة والمتزايدة في حق  أطر التدريس وهو ما يفسر العلاقة التي تحكم الأستاذ بتلميذه والتي أصبحت مبنية على الخوف والتوجس وعدم الثقة ، وهذا الأمر كارثي في حد ذاته ، فتصبح المعرفة مضطربة وغير متوازنة إذ  لا قيمة لتعليم بدون تربية وهو شعار نظامنا التربوي ، 

وقد تعاقب على المشهد التربوي من نظروا وشخصوا ولكن علاجاتهم لم تنفع، كونها أن من لهم الصلاحية والأهلية لعلاج الداء مستبعدون فحال المدرسة كالمريض الذي نقل على وجه السرعة للعناية المركزة فطال انتظاره فيها، فلم يتبقى له سوى انتظار الموت في أي لحظة ،

 فالمشاكل التي تتخبط فيها المدرسة كثيرة ومتشابكة ، لن أتكلم عن الاكتظاظ أو هشاشة البنية التحتية أو سوء المرافق إلى غير ذلك من المشاكل ، ولكن سيكون حديثي إلى ما هو أخطر من ذلك ، والمتعلق بالجانب النفسي سواء لدى المعلم أو المتعلم ، فأثاره  بين ناقل ومتلقي المعرفة بادية وجلية  ومرد ذلك أساسا إلى التراكمات النفسية والإيحاءات السلبية التي تطبع العلاقة بين الطرفين في كثير من الأحيان ، وقد أدت في حالات معينة حد الانتقام ، وهو ما دفع وزارة التربية الوطنية للدعوة ل”تعبئة مجتمعية شاملة” لمحاربة العنف في المدرسة المغربية..

 ولكن السؤال هنا يطرح على أي أساس تقوم هذه الدعوة ؟ هل فقط بالكلام أم بإجراءات عملية،

 وبما أن السبب الأول مرتبط بالجانب النفسي فلا بد أن يكون الإجراء الأول مرتبط بالحل النفسي، لأن المدرسة اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالاستعانة  باستشاريين نفسيين مؤهلين لإعادة التوازن الطبيعي للمدرسة ، عبر مساعدة التربويين على فهم مشاعر وقدرات المتعلمين بواسطة مقاييس علمية كقياس مستوى العنف لدى المتعلم أو قياس مستوى الذاكرة إلى غير ذلك من المقاييس العلمية ، 

كذالك الإدارة مطالبة بالاستعانة بهم لمساعدتها على وضع البرامج وتحديد الحاجات فلن تكون آنذاك بحاجة إلى فرض العقوبات التي ستزيد الطين بلة بقدر ما سيكون لتدخل الاستشاري النفسي الأثر في إعادة التوازن والثقة لذات المتعلم وهذا مافطنت له الدولة في السابق فكانت النتيجة أن ارتقوا المراتب العليا وأصبحوا مثالا يحتدى به .

فالمعلم المغربي يمر بأزمات نفسية جد صعبة ، كونه يحتمل ما لا يحتمل ،فهو الطبيب والمربي والملقن …. إلى غير ذلك من المهمات ،

 فالاستشاري النفسي من أسمى مهماته تخفيف العبء على التربويين حتى يتسنى لهم أداء وظيفتهم على أكمل وجه، وذلك بوضع الإصبع على الداء وبالتالي المساهمة في العلاج وتقديم الاستشارات والعمل على توجيه السلوكات عبر معايير علمية واضحة، ولعل حديثي هنا لم افرق فيه بين العمومي والخاص لأنهما في المشكل سيان .

فالتنافس مستقبلا بين المدارس  سيكون بالاعتماد على خدمات الاستشاريين النفسيين ، وستدرج كأولوية للمؤسسة لمواكبة التحولات وتوجيه السلوكات، وستصبح من أهم معايير الجودة لدى المدرسة ، فالأصل للقضاء على السلوك المنحرف ، ليس في السلوك بحد ذاته وإنما في القضاء على أسبابه ومسبباته والمرتبطة أساسا بما هو نفسي.

 وهنا يجب أن نفرق بين الطبيب النفسي والاستشاري النفسي حتى لا يقول قائل هل المدرسة بها مرضى نفسيين، كلا، فالطبيب النفسي مهمته الاشتغال على معالجة الحالات النفسية الحادة في غالب الأحيان.. أما الاستشاري النفسي هو فقط يصحح ويوجه المسار النفسي حتى لا ينحو منحا سلبي..

 فكل إنسان مهما كان، يعاني بعض اللاتوازن رغم كونه يتسم بالبساطة، إلا أن إهماله يسهم في تطوره 

 لذلك كان لزاما حضور عمل الاستشاري النفسي، ولعل التكوينات التي دشنتها الحكومة بداية  2016 في تكوين وتأهيل25 ألف مجاز من بينها تخصص الاستشارة النفسية والأسرية والوساطة كفيلة لسد هذه الحاجة إذا ما أحسنت الحكومة الاستفادة منهم ، لعلي هنا لامست بعض من العوائق والعثرات التي تؤرق بال المشهد التربوي وسأحاول فيما يستقبل من الأيام أن أقف عند بعض المشاكل المتكررة مع تقديم مقترحات وحلول فعالة حتى نحاصر كل المظاهر المعيقة والمانعة لأداء المدرسة وظيفتها .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *