الحاجة الى فلسفة التربية في التدريس

الحاجة الى فلسفة التربية في التدريس

رشيد الماهيري ذ باحث في علوم التربية

في ظل التطورات السريعة التي يشهدها العالم على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و القيمي , تزداد مشكلات التربية  و التعليم تعقيدا و تصبح تحديا مزمنا بالنسبة إلى صانع القرار , اﻨ تظهر حاجات جديدة و تختفي أخرى و تصبح الأنظمة التربوية متجاوزة خلال زمن قياسي, فالثورة المعرفية  و التكنولوجية تسير بمعدل سرعة رهيب.

و عليه فلابد للأمم التي تريد مسايرة هده التغيرات في عصرنا – عصر العولمة – أن تحتفظ بفاعلية و راهنية و قوة نظامها التعليمي و تضمن قدرة استمرار يته على خوض غمار التنافسية و الإنتاج و التنمية, الأمر الذي لايمكن أن يتحقق إلا وفق رؤية واضحة تستدعي المواكبة و الملاحقة و التجديد.

هده الرؤية في نظرنا لابد أن تنطلق من خلاصات و نتائج  البحت التربوي الذي أساسه التفلسف التربوي.

فعلى الرغم من تعدد فروع علوم التربية إلا أن روح العصر التي نحياها تستدعي حضور الفلسفة في ميدان التربية باعتبار أن فلسفة التربية تستمد أساسها من طبيعة الموضوع الذي تهتم به التربية ذاتها , و هو الإنسان في علاقته بذاته و بالمجتمع . ومن المعروف أن هده العلاقات ظلت عبر تطور الفكر البشري موضوعا فلسفيا محضا, لايمكن مقاربته إلا من منظور فلسفي خالص. فالفلسفة, بصفة عامة, أسلوب منهجي في التفكير في كل ماهو موجود, يسعى إلى معرفة الأشياء, من حيت هي كل, معتمدا في دلك التحليل و التركيب و النقد و التأمل. و على هدا, فالفلسفة طبيعية و ضرورية معا للإنسان, و هي ليست فرع من فروع المعرفة فحسب, شأنها شأن الفن و العلم و التاريخ…., بل أنها تضم أيضا و بالفعل تلك الفروع في أبعادها النظرية و المعرفية و المنهجية, و تسعى إلى إنشاء صلات فيما بينها. فالفلسفة تحاول أن تقيم التماسك في مجموع مجال الخبرة الإنسانية. و تسعى باستمرار إلى فهم الواقع في شموليته.كذلك تسعى فلسفة التربية إلى فهم التربية في كليتها الإجمالية, حيت تتضمن تطبيق التفكير الفلسفي على ميدان التربية, و بدلك تصبح الفلسفة, كما يقول “جون ديوي” « النظرية العامة للتربية و التربية هي المعمل الذي تختبر فيه الأفكار الفلسفية   » .

وهكذا تكون فلسفة التربية هي النشاط الفكري المنظم الذي يتخذ الفلسفة وسيلة لتنظيم العملية التربوية و تنسيقها و العمل على انسجامها , وتوضيح القيم و الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. و في هدا الإطار يقول الأستاذ ” أوليفي روبول”  في كتابه ”   فلسفة التربية ” « إن التربية هي أولا جزء من الوجود الإنساني تماما, كالعلم و الفن و اللغة, فيتحتم ادن أن تكون هناك فلسفة للتربية . وقد نعتقد أن المقصود بفلسفة التربية هنا هو فرع ثانوي من فروع الفلسفة, بيد أننا ادا سألنا فيلسوفا من هو الإنسان? و ما الذي يميزه عن الحيوان ? أجابنا, يتميز الإنسان بالعمل أو باللغة, أو بالثقافة. و الحال أنه لا وجود لعمل أو لغة أو ثقافة بغير التربية, و لقد قال كانط : إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو أن الإنسان لا يستطيع أن يصبح إنسانا إلا بالتربية    » . إن فلسفة التربية هي بلا ريب سؤال جدري , فهي لا تسأل عن كيف نعالج مشاكل القراءة و الفهم بل من أين تأتي أهمية فعل القراءة. و الحقيقة أننا ما أن نتساءل  عن معنى التربية و قيمتها حتى تبدأ فلسفة التربية التي تضعنا بالتدريج أمام المشكلات الفلسفية العامة, من قبيل : من هو الإنسان لكي يتحتم  علينا أن نربيه ? و ما طبيعة المجتمع مادامت التربية عملية اجتماعية ? و ما طبيعة الحقيقة التي تسعى كل المعرفة إلى النفاد إليها? و هل بإمكان التربية أن تجعل من الإنسان ما تريد, بغض النظر عن طبيعته و استعداداته و قدراته ?  أي, هل للتربية إمكانات, تجعلها تمارس فعلها بصورة مطلقة, أم للتربية حدود ترتبط بطبيعة المربي أو غيرها, يصعب تخطيطها ? …

وبناء على ذلك يمكن القول أن فلسفة التربية هي نظرية شمولية للمثل و القيم المنشودة, و أن مهمتها الأساسية بناء طريقة الإنسان و مصير الإنسان.فما قيمة الإنسان إن ربح كل الأشياء و فقد نفسه ?  كما يمكن اعتبار فلسفة التربية هي ابستمولوجيا بالنسبة لعلوم التربية , فالنظريات العلمية سوسيولوجية كانت أو سيكولوجية أو غيرها, لايمكن تطبيقها في ميدان التربية, من غير أن تفحص أولا فحصا فلسفيا. و هكذا تعتمد فلسفة التربية على الفلسفة العامة, إلى حد أن مشكلات التربية ذات طابع فلسفي عام, و لا نستطيع أن ندحض  أو ننتقد السياسات التربوية القائمة, أو نقترح سياسات جديدة بدون النظر  في المشكلات الفلسفية العامة. فنحن لايمكن لنا أن نفهم الحياة المدرسية أو العلاقات الاجتماعية أو الحالات النفسية لتلامذتنا دون التسلح بعلم النفس التربوي و علم الاجتماع التربوي و جميع العلوم الفلسفية التي تمكننا من النظر في مشكلات فلسفية عامة.

إن المنطلقات الفلسفية و السوسيولوجية  بالخصوص تعد الدماغ المحرك للنظام التربوي بشكل عام و للمنهاج الدراسي بشكل خاص, لأنها تهتم بماهية القيم و كيفية اشتقاقها و مبرراتها و الأسس التي تقوم عليها و دورها في تنظيم الخبرات إلى جانب تحرير العقول من التحيزات الشخصية و توسيع إطار النظرة للعالم.

و بهدا تتضح لنا أهمية د راسة فلسفة التربية في الوقت الحاضر, اد أنها تساعدنا أولا على أن نفهم بطريقة أفضل و أكثر عمقا معنى العملية التربوية و معنى القيام بها, كما أنها تساعدنا على إمدادنا بالوسيلة التي تبصرنا بأنواع الصراع المختلفة التي تكون بين النظرية التربوية و التطبيق التربوي و محاولة محو و إزالة هدا الصراع, حتى تتسع النظرة و تصبح أكتر شمولا و يتجه الفكر إلى أن يكون أكثر تحليلا و نقدا, و يرتفع المربون عن الواقع المادي الخشن ليحلقوا في الفكر التربوي حتى يعودوا إلى الممارسة الميدانية ليطوروها و يحسنوها و يضعوا لها الأهداف المناسبة لها.

و من جهة أخرى, تمكن مبادئ فلسفة التربية أصحاب القرار التربوي ببلادنا من القيام بنقد متعدد الأبعاد لكل تصور أو نظرية تربوية مستوردة , و من النظر برؤية علمية و روح ابستمولوجية  دقيقة لإمكانية نقل تلك التصورات و النظريات ومن التساؤل حول ممكنات و حدود تطبيقها على واقعنا التربوي .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *