فسحة رمضان.. الشاطر.. الحطاب وكلب العجوز (الحلقة 23)

فسحة رمضان.. الشاطر.. الحطاب وكلب العجوز (الحلقة 23)

عبد الكريم جبراوي

كانت طريق أحد الحطابين في اتجاه الغابة تمر عبر ممر ضيق يحفه نبات الصبار من الجانبين، وبجانب وسط الممر كان بيت تسكنه عجوز لوحدها وكان لها كلب شرس من الكلاب الضارة التي تجيد التخفي والمباغثة وخاصة وقت الظلام الذي يصادف مرور الحطاب منه أثناء توجهه نحو الغابة أو أثناء عودته منها.

كان الحطاب في كل مرة يحتاط بما فيه الكفاية حتى لا يؤخذ على حين غرة من الكلب الغدار، فكان يمسك بيسراه لجام بغله بقوة، ويده اليمنى بعصا غليظة على أهبة الاستعداد لضرب الكلب متى ظهر واقترب منه، ولكنه في كل مرة يسقط من فوق البغل نتيجة قفزة مفاجئة لهذا الأخير أو جراء عضة تكون من نصيبه، لاسيما عندما يكون راجعا مترجلا بغله المحمل بما حصل عليه في يومه من عملية الحطب بالغابة.

قرر الحطاب أن يتحمل الالتفاف على تلك الطريق وشق مساره مبتعدا عن طريق الممر الضيق، لكن الطريق الجديدة لم تكن سهلة ولا سريعة، وإنما كانت شاقة ومتعبة وغير سالكة لوجود برك مائية ونبات متشابك يعيق السير بالإضافة إلى طول مسارها، وأيقن أنه لا بديل له عن تلك الطريق التي تمر من ذلك الممر ذهابا وإيابا.

اشتكى الحطاب إلى العجوز خطر كلبها عليه وعلى كل من يمر من المكان، فلم تعر شكايته اهتماما وأصرت على عدم القيام بربطه ما دام هو من يؤمن حراستها وحراسة بيتها وممتلكاتها، وأنها لم تجد أوفى منه بعدما هجرها أقاربها ومعارفها وبقيت لوحدها تسكن هذا البيت في هذا المكان.

فكر الحطاب في طريقة للتخلص من الكلب فاشترى قضيبا حديديا وقام بشحذ أحد طرفيه حتى صار كالدبوس الباتر، وجعله مكان العصا التي كان يحملها معه في أول خرجة له بهذا السلاح الجديد، وسار في الممر وهو يتصور في مخيلته الضربة الموجعة أو الضربة القاضية التي سيوجهها للكلب بهذا القضيب الحاد، وما هي إلا لحظات حتى صدر نباح كثيف عن قرب فاستدار الحطاب فوق بغله يمينا حيث مكان الكلب ورماه رمية قوية انحرف عنها فلم تصبه وانغرس القضيب في عمق الصبار، ولم يجد بدا بعد ذلك من التلويح ببعض من عيدان الحطب ليخيف الكلب.

وذات يوم من أيام الصيف، وبينما كان الحطاب متوجها نحو الغابة عبر ذات الممر، لمح الكلب يخرج من ترعة وسط الصبار ويهاجمه دون أن يترك له فرصة اختيار وسيلة المواجهة والتصدي، فما كان منه إلا أن ارتمى بدوره ارتماء انتحاريا على الكلب وأحكم قبضته عليه وأطبق فكيه على رقبته فأصدر الكلب عواء كعواء الذئب من ألم العضة القوية وصار يتلوى ويتوجع وجسمه يتموج بين انبساط وانقباض وما إن أطلقه حتى أطلق أقدامه للريح لا يلوي على شيء وهو يئن وينبح نباحا متقطعا حتى اختفى عن نظر الحطاب الذي وقف كمن أفاق لتوه مفزوعا من نوم عميق فتوجه نحو بغله وأمسك بلجامه وسحبه وراءه لبضعة أمتار قبل أن يستقل ظهره ويتابع سيره في نشوة واعتزاز بإلحاق أول هزيمة بكلب العجوز.

وصار بعد ذلك كلما ولج الحطاب ذاك الممر راح الكلب يتابعه بالنباح من بعيد حتى يغادره وكأنه يكتفي بالسب والشتم من وراء الستائر، أو كأنه يقدم له تحية الاعتراف بالشجعان.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *