العرض السياسي للأستاذ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال في أشغال الدورة الرابعة للجنة المركزية، شتنبر 2019 بالجديدة

العرض السياسي للأستاذ نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال في أشغال الدورة الرابعة للجنة المركزية، شتنبر 2019 بالجديدة

الجديدة، السبت، 28 محرم 1441 الموافق 28 شتنبر 2019

بسم الله الرحمان الرحيم

الأخوات والإخوة في اللجنة التنفيذية؛

أخواتي وإخواني أعضاء اللجنة المركزية؛

معشر مناضلات ومناضلي حزب الاستقلال بمدينة الجديدة وباقي أقاليم جهة الدار البيضاء-سطات؛

نلتقي اليوم في دورة أخرى للجنة المركزية للحزب خارج مدينة الرباط، هنا في مدينة الجديدة، وذلك تكريسا للتوجه الجهوي الذي اخترناه في عقد دورات اللجنة المركزية؛

هذا التوجه نحو الجهات ونحو المجالات الترابية والقرب النضالي من هموم المواطن، يعتبر كما لا يخفى عنكم، خيارا استراتيجيا بالنسبة إلينا، في حزب الاستقلال وفي الاستراتيجية الجديدة للنهوض بالأداء الحزبي، سواء على مستوى دينامية التنظيم، أو على مستوى المواقف التي نعبر عنها والمبادرات التي نقدمها في خدمة المواطنات والمواطنين؛

وفي هذا الصدد، لا يمكنني إلا أن أحيِّي الأخوات والإخوة في اللجنة المركزية، بمختلف لِجانها الدائمة، على هذا النَفَس الجديد في العمل، وعلى راهنية المواضيع والقضايا التي تَتِمُّ دراستُها، وكذا على جودة الأفكار والاقتراحات والحلول التي يَتِمُّ تقديمُها؛

والحمد لله أنه استطعنا، في إطار تفعيل الاستراتيجية الجديدة للنهوض بأداء الحزب، أن نجعل من كل دورة من دورات اللجنة المركزية مناسبةً لتقديم ومناقشة تقرير موضوعاتي من إنجاز إحدى اللجان الدائمة، في قضية من القضايا ذات الأهمية والراهنية في الساحة الوطنية، وفي انشغالات المواطنات والمواطنين.

وهكذا، فبَعد الانكباب على إشكاليات إصلاح التعليم، وعلى وضعية مغاربة العالم ومقومات المواطنة الكاملة، تُخَصِّصُ اليوم اللجنةُ المركزية دورتَها العادية لتدارس موضوع ” المرأة المناصفة”، بمبادرة من الأخوات والإخوة في اللجنة الدائمة المكلفة بالمناصفة وتكافؤ الفرص؛
IMG 0604 5ce06

أخواتي، إخواني؛

إن موضوع ” المرأة والمناصفة”، بهذه الصيغة الدالة التي تم اختيارُها، لا يُمكنه إلا أن يُؤشر بقوة إلى أوضاع المرأة المغربية بأبعادها المختلفة: الحقوقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛

فرغم التنصيص الدستوري على المساواة بين الرجل والمرأة، في الحقوق والواجبات، ومحاربة كل أشكال التمييز في مختلف مناحي الحياة…؛

ورغم إقرار مبدإ السعي إلى المناصفة في أفق المساواة كتمييز إيجابي لتدارك النواقص المتراكمة خلال عقود…؛

ورغم كل السياسات والبرامج العمومية التي تقوم على مقاربة النوع الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء، يُلاحَظُ اليوم أن واقع حال المرأة المغربية لم يُحقق القفزة النوعية التي بَشَّرَ بها دستور 2011، وناضلت من أجلها أجيال من الفعاليات الوطنية والديمقراطية والحقوقية منذ الاستقلال إلى اليوم؛

وإذا كانت بلادُنا لم تنجح بعد في تحقيق التقدم الذي نطمح إليه جميعا فيما يتعلق بأوضاع المرأة رغم الإرادة السياسية والجهود المبذولة، فإن مؤشرات كثيرة اليوم، تبعث على القلق والتَوَجُّس من عودة بعض مظاهر النكوص والتراجع، لا سيما أمام:

استمرار أمية النساء ( 46 %)؛

واستمرار ظاهرة الهدر والانقطاع الدراسي، وهو ما يمنع 60% من الفتيات في العالم القروي من الاندماج الاقتصادي والاجتماعي؛

التقهقر المُمَنهج لمساهمة المرأة في الساكنة النشيطة (22%) وسوق الشغل (بطالة النساء هي ضعف بطالة الرجال)؛

انسداد آفاق الارتقاء الاجتماعي أمام الفتيات مما يكرس التوريث الجيلي للفقر بأكثر من 7 مرات مقارنة مع الرجل الذي ينتمي إلى الأسرة الواحدة، لا سيما في العالم القروي؛

عودة ذهنيات وممارسات إقصائية للمرأة من الحياة العامة بمختلف مجالاتها، والمساهمة الفاعلة في المشروع المجتمعي المشترك. ولعل هذه المرجعية المضادة هي الأساس الذي يتغذى منه العنف المتزايد الذي تعاني منه المرأة بتجلياته المتعددة: جسديا ورمزيا واجتماعيا واقتصاديا، ولا سيما في الفضاء العام، وفي شبكات التواصل الاجتماعية، وفي وسائل الإعلام؛
IMG 0618 7e654

أيتها الأخوات، أيها الإخوة؛

نستعرضُ بأسفٍ شديد هذه المؤشرات السلبية التي أصبحت محطَ إجماع، والتي نَكادُ نُردِّدُها باستمرار في السنوات الأخيرة، من دون جدوى، ومن دون أن تجدَ الإنصات والتفاعل الضَرُورِيَيْن من قبل الحكومة والسلطات العمومية، لتحصين المكتسبات وتجاوز الاختلالات والنواقص التي تعتري واقع المرأة المغربية بتداعياتها على المجتمع بِرُمَّتِه
هذا، وإذا كان العالم القروي هو في مقدمة المجالات الترابية التي طَالَها الإقصاءُ والتهميش في ظل النموذج التنموي الحالي الذي بلغ مداه، فإن المرأة تظل الضحية الأولى لهذا النموذج التنموي؛

ذلك أنه كلما تفاقمت الفوارق الاجتماعية والمجالية، وضَاقَتْ هوامشُ الحريات والمبادرة والعيش المشترك، وتَرَاخَتْ روابطُ التماسك الاجتماعي، كُلما كان وقعُها على المرأةِ أكثرَ حِدَّةً وحَيْفًا وظُلْمًا في التمتع بحقوقها كاملةً كما يضمنُها الدستور، وفي الولوج إلى الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم والشغل والقضاء، وغيرها من مقومات الحياة الآمنة والكريمة؛

وبالتالي، كلُّ إطالةٍ وتمطيط في عمر النموذج التنموي الحالي المَأزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، (والذي لا ندري لماذا الحكومة ما تزال متشبثةً به في سياساتها العمومية كما هو الشأن في مشروع قانون المالية 2020 في مذكرته التوجيهية)، لن يزيدَ وضع المرأة المغربية إلا تدهورا وتعقيدا، لا سيما بموازاة مع بروز أفكار وممارسات حَدِّيَة لا تأخذ بعين الاعتبار تنوع المجتمع المغربي في ظل المشروع المشترك، بل وتشجع على التقاطبات والشروخ القِيمية والهوياتية؛

إننا اليوم عندما نقفُ إلى جانب إحقاق حقوق المرأة المغربية، والنهوض بأوضاعها، وتمكينها من المواطنة الكاملة وغير المنقوصة، فإننا لا نقوم بذلك من باب الوعي الطارئ أو التقليعة السياسية، أو لمواكبة شكليات التغيير على المستوى الوطني والدولي؛

لاَ أبداً، إن الوعي النسائي هو مكون مُتجذر في الرصيد الفكري والنضالي والسياسي لحزب الاستقلال، ومرجعية أساسية في أدبياته ووثائقه وتنظيماته المركزية والمحلية والقطاعية؛

وكما تعلمون، لقد حظيت قضايا المرأة بنصيب وافر من فكر الزعيم علال الفاسي، فكانت حاضرة بقوة في مختلف إنتاجاته الفقهية والقانونية والأدبية والسياسية، داعيًا إلى تحريرها من قيود العادات والتقاليد البالية وغير النامية؛

وفي ذلك، يقول الزعيم علال الفاسي في “النقد الذاتي”:

“إني لأَعتقدُ أنه لا حياةَ لأمتنا ولأمةٍ على وجه الأرض ما دامتِ المرأةُ محرومةً من حقوقها وممنوعةً من أداء واجبِها”؛

هذه القناعة الراسخة لدى الزعيم علال، وداخل البيت الاستقلالي، قد تمت ترجمتُها من خلال إدماج المناضلة الاستقلالية في الأجهزة التقريرية والتنفيذية للحزب، والسبق في اعتماد مبدإ المُحاصَصة والتمييز الإيجابي، فضلا عن المكانة المتميزة التي تحظى بها منظمة المرأة الاستقلالية، منذ أكثر من 30 سنة، في اتخاذ الموقف والقرار الحزبي، وفي مأسسة الترافع حول قضايا المرأة في المنظومة الحزبية ككل؛ والمساهمة باسم حزب الاستقلال في المعارك النسائية الكبرى التي عرفَتْهَا بلادُنا، إلى جانب باقي القوى النسائية الوطنية والديمقراطية والفعاليات الحقوقية، فيما يتعلق بالتمثيلية السياسية للنساء، وإصلاح مدونة الأحوال الشخصية والأسرة، والمُراجعات الدستورية والمجتمعية بخصوص دسترة المساواة والمناصفة وغيرها…؛
IMG 0630 6d8fa

أيتها الأخوات، أيها الإخوة؛

إن العناية بقضايا المرأة المغربية والنهوض بأوضاعها، لم يعد شأنا حقوقيا فحسب، أو محورا إضافيا ضمن التدابير المواكبة لاستراتيجيات التنمية، أو واجهة لتلميع صورة المغرب في الخارج، وإنما هو اليوم جزء لا يتجزأ من القضية التنموية في شموليتها والتقائية أبعادها وأهدافها؛

لذلك، نعتبر في حزب الاستقلال، وضمن تصورنا للنموذج التنموي الجديد، أن المرأة توجد في صلب هذا النموذج المنشود، ولا يُمكن تحقيقُ القطائع والانتقالات التي نتطلع إليها للخروج من الأزمة، دون أن تكون المرأةُ طرفا وفاعلا ومستفيدا من ثمار هذا النموذج التنموي الجديد؛

لا بد من تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة المتمدرسة والزوجة والأم وربة الأسرة، بما يقتضيه الأمر من حماية قانونية، وآليات مؤسساتية لمحاربة كل أشكل التمييز والصور النمطية المُسيئة، وبرامج تنموية لإنصاف النساء في وضعية هشاشة، ولا سيما في العالم القروي؛

ولا بد من التمكين السياسي للمرأة الفاعلة وتقوية حضورها في صناعة القرار ومساهمتها في مجهود التنمية؛

هذا، وإذا كنا مقبلين، كمواطنات ومواطنين، على إرساء عقد اجتماعي جديد في أعقاب الحوار الوطني حول النموذج التنموي، فإن المرأة المغربية معنية ومدعوة إلى المساهمة الفاعلة في بلورة هذه التعاقدات الجديدة لاستشراف مغرب المستقبل، وهي التعاقدات التي أكدنا عليها في “منتدى التفكير التعادلي” المنظم مؤخرا، في إطار تصور شمولي ومتكامل الأبعاد:

تعاقد من أجل تكريس الديمقراطية وتقوية دولة القانون والمؤسسات؛

تعاقد من أجل مواطنة مبنية على القيم والواجبات والمنافع المشاركة؛

تعاقد من أجل تقوية التماسك المجتمعي؛

وتعاقد من أجل تحرير الطاقات.

وكما سبق أن أكدت على ذلك في المؤتمر الأخير لمنظمة المرأة الاستقلالية، باستحضار لقيم وتوجهات المرجعية التعادلية المتجددة، لا بد من أن ينصب التفكير خلال هذه الدورة، وما سيتمخض عن أشغالها من مقترحات ومبادرات، على مسالك العمل التالية:

المساهمة في تأطير المرأة المغربية، في المدن والعالم القروي، والتفاعل مع حاجياتها وانتظاراتها، والقرب من مختلف فئاتها ولا سيما الأكثر خصاصا؛

تعزيز مشاركة المرأة في الحياة السياسية والشأن العام بالتمثيلية المنصفة لها وإسماع صوتها داخل المؤسسات، وتوسيع مشاركتها في آليات الديمقراطية التشاركية؛

المساهمة في تأطير وإغناء النقاشات العمومية حول الحقوق والحريات ذات الصلة بوضعية المرأة، وفق مبادئ الحوار المدني البناء، وبالارتكاز على المرجعية الدستورية، وقيم التعادلية الاقتصادية والاجتماعية، التي تستهدف المصالح الفضلى للمرأة والأسرة المغربية؛

المساهمة في برامج تمدرس الفتيات وتقوية قدراتهن، وبرامج محو الأمية والأمية الوظيفية، مع إعطاء الأولوية لفتيات ونساء العالم القروي؛

المساهمة كذلك عبر برامج تطوير القدرات والمهارات والفرصة الثانية لتيْسير ولوج المرأة إلى سوق العمل، وتقوية نشاطها وقابلية التشغيل لديها، وولوج الفتيات إلى مجموع مسالك التكوين المتوفّرة؛

الترافع من أجل توسيع قاعدة الولوج إلى التعليم الأولي للمساهمة في تحرير طاقات النساء-الأمهات، بحيث ستمكنهم من الاندماج في الحياة المهنية، والرفع من مساهمة المرأة في الساكنة النشيطة وبالتالي في دورة التنمية؛

الترافع من أجل وضع استراتيجية مندمِجة للاعتراف بعمل النساء عموما، ولا سيما العمل المنزلي وفي الوسط القروي، وتثمينه وتعويضه التعويض العادل؛

الترافع من أجل اعتماد “المشاركة في المُمتلكات المكتسبة” كقاعدة ممكنة في إطار العلاقة الزوجية؛

مُواكبة المقاولة النسائية بالترافع والقوة الاقتراحية والمبادرة التشريعية من أجل تطوير وتوسيع ولوج المرأة إلى التمويل، ولا سيما بالنسبة لمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي تتميز بمشاركة مهمة للمرأة في أنشطتها المدرة للدخل؛

السعي نحو تغيير العقليات والممارسات لتسهيل تفعيل المقتضيات القانونية الجديدة حول المساواة في المجال العقاري بين الرجل والمرأة فيما يخص الأراضي الجماعية والسلالية. من المؤكد انه إنجاز كبير بفضل نضالات الحركة النسائية الوطنية، لكنه يحتاج إلى مواكبة ثقافية وميدانية من أجل إنجاحه.

في الختام، أشكر الأخوات والإخوة في لجنة المناصفة وتكافؤ الفرص على اختيار هذا الموضوع الهام، وعلى التقرير التحليلي والمرقم الذي تم إنجازه في هذا الصدد، وأتمنى لكم التوفيق والنجاح في أشغالكم.

والســـــــلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
IMG 0656 3fcb2

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *