خاطرة : فقه الرحيل (2)

خاطرة : فقه الرحيل (2)

الأستاذ: محمد ابراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية و السياسية

عزيزتي، تدركين جيدا موضعك مابين القلب و الشريان، و تدركين موقفي في الحب فإما أن أكون أو لا أكون، إما أن أتسيد أو أنسحب، ليس عندي شئ اسمه الانهزام أو النسيان، لا أحب المناطق الوسطى، و لا أطيق الرقص على وتر القناعات، فإما الثبات أو الخيانة، و أنا لا أملك غير قلبي و عقلي و قلم مسطور بين أناملي، و فائض صدق لا يجابهه إلا النكران، لذلك فأنا أتألم كثيرا عندما أصدم في أناس كانوا عندي بمجرى الدم في الشريان.

سيدتي، ميت هو ذلك الذي يفضل الأسود و الأبيض و النقاط على الحروف بدلا من سرب غامض من الانفعالات الجارفة، تلك التي تجعل العينين تبرقان، و تحول التثاؤب ابتسامة و تعلم القلب الخفقان أمام جنون المشاعر، كنت لغاية الأمس القريب أضغط على نفسي لنيل الرضا ليس خوفا أو تضرعا أو ابتهالا و لكن لأني هكذا خلقت أحب أن أرى دوما ابتسامة من يهمونني، لدى لا أدقق في التفاهات الهامشية و لا أقف عند الأشياء العرضية، كنت أريد من زرادشت أن يكف عن تلاوة طلاسم الجذب، لأن تعلقي – و هذا حديث عن نفسي- كان عاطفيا قبل أن يؤكده الفعل، كنت لغاية الأمس القريب أتقبل أن تخطئي في حقي ثم تمنين علي بالغفران، عن ذنب لم أعرف أبدا ما هو، و أعود رغم الرغم لأطلب السماح، هكذا أنا عندما تشدني العاطفة.

كنت و كنت و كنت لغاية ما دفن سر لفظ كن القدسي، فاستجاب صاحب الأكوان لكينونتي، و بسر حرف كن بسر اللفظ كان، و هكذا ولدت اليوم لأدلف تفاصيلك المزعجة، فالبشر لا يولدون دوما يوم تلدهم أمهاتهم، و إنما تجبرهم الحياة على ولادة أنفسهم بأنفسهم ثانية و لمرات عديدة.

سيدتي التي لم تعد عزيزة…

قال لي صديقي ميلان كونديرا يوما، أننا نؤلف الكتب لأن أبناءنا لا يهتمون بنا، نخاطب عالما مجهولا، لأن زوجاتنا تغلقن آذانهم عندما نكلمهن، نكتب لنتنفس، لنستمني على واقع يرفض الارتقاء، فالمثقف يا سيدتي هو موقف و ليس مهنة نتبجح بها بكثرة المعلقين و المعجبين، لذلك تحملي جموح قلمي، و لا تسئ به الظن، فهو أسوء مما تظنين.

سيدتي، أصبحت أكثر قناعة بأن النساء خلقن من سكر، فالنساء لسن إلا مخلوقات في غاية الحلاوة، لذا من السهل إذابتهن، لكن المرأة حين تذوب لا تعود كما كانت يا سيدتي، بل تختفي و تتلاشى و كأنها لم تضف يوما طعما حلوا إلى الرجل، هكذا أنت تماما، تمحين بجرة قلم من ذاكرتك الضعيفة سيلا من العطاء، فقط عندما أرتكب دون قصد ما لا يعجبك، هذا يسميه السنهوري بالجحود و الجفاء، و إن لم يجرمه القانون فهو أساس معنوي لإثبات سوء النية و التوهان في عالم سوبراني تحكمه المظاهر حد القرف.

يقول العرب أن المرء يلجم من لسانه، و يقول سيد الخلق عليه أفضل الصلوات، أن الإنسان بأصغريه: قلبه و لسانه، و لسانك غير ملجوم، ثور هائج لا يعرف أصول الكلام، يلهث من فاه ألف الخبث، يتصيد الزلات ليرمي بسهام المر و العلقم، لذلك فالنساء من طينتك يفكرون بالمعنى الخفي للأسئلة أكثر من تفكيرهن بالأسئلة ذاتها، و المفترض يا سيدتي في العلاقات الاجتماعية أنها تبنى على حسن الظن و النوايا.

و لأننا خلقنا غير متساويين في الإدراك و الوعي و السلوك، فكل واحد منا يعبر عن أصله و تربيته و مستواه في معاملاته، و لا داعي للشرح أكثر، فالإطناب هنا كفعل حد المدية في الأضحية، كما أن النساء يتجملن للرجال و ليس نكاية في النساء، في مجتمع استهلاكي أعرف جيدا أنني لا أنتمي إليه، أو ولدت خطأ في زمن ليس بزمني، ربما و أنت تقرئين قد ترتفع قهقهات السخرية أو تبتسمين ابتسامة مخزية، لكن تيقني أنها فقط من فعل الحروف و أن ألم إدراك الحقائق لا تمسحه تجاعيد الوجوه.

حمقاء تلك التي تقتل اشتهاء زوجها لها بالنكد أو التمنع الزائد، ففي هذه النقطة يبدأ هو بالنظر إلى الأخريات.

سيدتي، العلاقة ما بين الرجل و المرأة ليست حروب و صراعات و انتصارات وهمية، و طغيان و تسليم للسلط و المقاليد، فلا أنت زنوبيا و لا أنا هيرودوس.

راجعي نفسك قليلا و طويلا، و اعلمي أن السلوك يفقد أشد المقربين، و خصوصا واحد مثلي لا يهتم بالموت و إنما بالحياة، و لهذا فالإحساس الذي راودني عندما نطقت بحكمك اللعين لم يكن إحساسا بالخوف و إنما بالحنين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.