هل تعمق مساعدات الزلزال الأزمة بين باريس والرباط؟ (تقرير)

هل تعمق مساعدات الزلزال الأزمة بين باريس والرباط؟ (تقرير)

الأناضول : بعد ساعات قليلة من حدوث “زلزال الحوز” وسط المغرب، تقاطرت على المملكة برقيات التعازي من عدة شخصيات ودول، مصحوبة بالتعبير عن الاستعداد والرغبة بالمساهمة في جهود مواجهة آثار الكارثة.

و ضرب المغرب زلزال بقوة 7 درجات على مقياس ريختر، مركزه في منطقة “إغيل” في الحوز؛ مساء الجمعة الماضية، مخلفا 2946 حالة وفاة و5674 مصابا، وفقا لحصيلة غير نهائية أعلنتها وزارة الداخلية مساء الأربعاء.

ورغم الطلبات الكثيرة التي تلقاها المغرب، إلا أنه لم يوافق إلا على 4 طلبات رسمية للمساعدة في جهود الإنقاذ، في مقدمتها المساعدات القادمة من الجارة الشمالية للمملكة إسبانيا و بريطانيا و قطر والإمارات.

وفسّر بعض الناشطين هذا الاختيار بمثابة رفض لباقي العروض المقدمة للمملكة، بما فيها العرض الفرنسي، وهو ما أثار جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية في البلد الذي كان يشكل القوة الاستعمارية السابقة للمملكة.

خطاب مستفز:

وفي عز الجدل حيال الموقف المغربي، والذي تحول في كثير من الأحيان إلى هجوم على السلطات المغربية من بعض وسائل الإعلام الفرنسية، حاولت هذه الوسائل التشكيك في قدرات المملكة دون المساعدة الفرنسية.

ونشر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون كلمة مصورة عبر منصة “إكس”، أشعل بها الجدل و أثار غضب المغاربة.

وعلى الرغم من إقرار ماكرون أن تنظيم المساعدات هو قرار سيادي للعاهل المغربي محمد السادس والحكومة المغربية، إلا أن توجهه بالخطاب مباشرة إلى الشعب المغربي، أثار موجة استياء واسعة في الأوساط المغربية، التي اعتبرت خطابه “حنين إلى الحقبة الاستعمارية”.

وفي هذا الشأن، قال خالد شيات أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة (شمال شرق)، في تصريح للأناضول، إن “خطاب ماكرون، من حيث الشكل، مستفز لأنه موجه لحوالي 40 مليون مغربي، بطريقة توحي أنه ليس له الوقت الكافي ليجلس ويتحدث، وإنما وقف في أحد الممرات وراح يخاطب الشعب المغربي في استخفاف واضح بالمخاطب”.

تعاطف المغاربــة:

وكان لافتا توجه ماكرون إلى “المغربيين والمغربيات” بخطابه، وهو ما فسره العديد من المراقبين بأنه سعي من الرئيس الفرنسي لكسب تعاطف المغاربة.

وأضاف شيات: “طبيعة الخطاب الأخلاقي الذي استعمله ماكرون كان الغرض منه إيهام المغاربة أن فرنسا هي التي ستنقذ الضحايا وأن عدم وجودها سيؤدي إلى سقوط المزيد منهم”.

وأضاف أن الرئيس الفرنسي “لن يجد المسوّغ أو الركيزة التي يبرر بها توجيه خطاب، إلى شعب دولة أخرى”.

وأوضح الباحث أن “رد فعل ماكرون، يعكس فشله في فتح قنوات دبلوماسية رسمية للتواصل مع العاهل المغربي، وهو ما دفعه في النهاية إلى توجيه خطاب مباشر إلى الشعب ظاهره أخلاقي وباطنه تحريضي، حاول عبره تأليب الشعب المغربي على حكومة بلاده”.

وأبرز أن فرنسا لازالت تنظر إلى مستعمراتها السابقة بنظرة “متعالية”، وتعتقد أن الدول التي انفلتت من سطوتها الاستعمارية لم تتغير كثيرا رغم عقود الاستقلال، وأن هناك حاجة دائمة لحضورها ودعمها.

وأضاف أن الموقف المغربي كان واضحا، ويفيد بأن “الدولة المغربية لها من الإمكانيات اللوجستية والبشرية وحتى المادية، ما يكفي لمواجهة الأزمات، وتقبل المساعدات الأجنبية حسب الحاجة إليها، ووفق قواعد الاحترام المتبادل”.

والواقع أن المغرب حسب الباحث المغربي أكد قدرته الفائقة على مواجهة الكوارث والجوائح، خلال أزمة كورونا، ففي الوقت الذي كانت فرنسا تعيش أزمة كمامات كان المغرب يصنعها ويصدر الفائض منها.

ورأى أنه أحيانا “تكون الكوارث سببا في تقليص الهوة بين أطراف الأزمة على اعتبار أن مثل هذه الحالات هي محرك لـدبلوماسية الكوارث”.

غير أنه في الحالة المغربية الفرنسية، اعتبر شيات أن “العكس هو الذي حصل”.

وأردف: “نعيش أنساقا قديمة مسترسلة ومتشابكة من التنافر بين الجانبين، عكسه بشدة هذا الوضع الذي نحن فيه اليوم”.

تجاوز اللياقة الدبلوماسية:

وعلى هذا النحو، وصف المحلل السياسي المغربي، بلال التليدي، تعامل ماكرون مع الموقف المغربي حيال المساعدات الفرنسية بأنه “تجاوز للدبلوماسية السياسية”.

وانتقد التليدي خطاب ماكرون قائلا للأناضول: “هناك الكثير من قلة الحكمة والتعالي، كثير من الدول عرضت على المغرب المساعدة، لكن هذه الدول تفهمت الموقف وأدركت أهمية تنسيق العمل وعدم تعقيد الأمور وإرباكها على الأرض”.

واعتبر أن الموقف الفرنسي الآن “يقوم على سياسات الاستعلاء التي تعودت عليها باريس تجاه الشعوب التي استعمرتها”.

وأضاف: “تعتقد فرنسا أن المغرب غير قادر على معالجة الكارثة، ولم تصدق أن يصلها خطاب من وزارة الداخلية المغربية يشكرها على عرض المساعدة وإعلان الاكتفاء بأربعة طلبات أخرى ليست منها باريس”.

وفي الواقع أن “الأزمة” المغربية الفرنسية ليست وليدة اليوم، و العلاقات بين البلدين حافلة بمحطات الشد والجذب، لكن الأزمة الأخيرة كان واضحا أنها تغذيها عدة أسباب.

ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم تعين الرباط سفيرا جديدا لدى باريس، خلفا للسفير محمد بنشعبون، الذي عينه العاهل المغربي على رأس “صندوق محمد السادس للاستثمار”.

وفي سبتمبر/ أيلول 2021، ظهر التوتر بشكل علني بعد قرار باريس تشديد القيود على منح تأشيرات للمواطنين المغاربة.

كما تسببت قضية التجسس بتأزيم العلاقات بين البلدين، حيث اتهمت صحف فرنسية الرباط في يوليو/ تموز 2021، باختراق هواتف شخصيات مغربية وأجنبية عبر برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”.

لكن الحكومة المغربية نفت في بيان هذا الاتهام ورفعت في 28 من الشهر ذاته دعوى قضائية ضد كل من صحيفة “لوموند” وموقع “ميديا بارت” و”فرانس راديو” بتهمة التشهير.

وفي الوقت الذي أعلنت إسبانيا القوة الاستعمارية السابقة لإقليم الصحراء، دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 كأساس لتسوية الخلاف، لم تبد فرنسا أي تغيير في هذا الاتجاه.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية في آذار/ مارس 2022 عقب الإعلان عن الموقف الاسباني الجديد أن “موقف فرنسا بشأن الصحراء ثابت، فهي تدعم التوصّل إلى حلّ سياسي عادل ودائم ويقبله الطرفان ويتماشى مع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.

وفي خطاب متلفز وجهه العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الشعب، في 20 أغسطس / آب 2022 بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب، أكد أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *